سليم عزوز

كاتب وصحافي مصري

 

إذا اختلط الأمر على البعض، فلم يميزوا بين المعارضة والمزايدة، فإن موضوع الطائرة المسيرة التي استهدفت ميناء دمياط في مصر يصلح أداةً لوضع النظام وأزلامه في خانة "اليك".

 

وقد رأينا رعونة في أداء الذين من حول النظام، وهو ما لفتنا الانتباه إليه عند كل اختيار لأصحاب القامات المنخفضة، وعلى كل المستويات؛ لأنها لن تصمد عند التحديات، ولأنها لن تسند النظام إذا وجد نفسه بحاجة إلى من يسنده، ولن تمكنها إمكانياتها المتواضعة من إنتاج خطاب مقنع للجماهير، ولو في حده الأدنى!

 

فنموذج الدولة الأب يصلح في زمن الرخاء، لكن في الشدة فإن النظام بحاجة إلى جبهات مساندة، تبين تمامًا أنه يفتقدها، وهذا نتاج طبيعي لسوء التقدير، وسوء الاختيار في الوقت ذاته!

 

ومن الإعلام إلى مجلس النواب، وقع رجال النظام في "حيص بيص" في واقعة المسيّرة؛ فمنذ الساعات الأولى اختفت الحكومة لساعات، وهي التي تتحدى حرارة الجو بالإقامة الكاملة في المصيف، وتصدّر رجالها المشهد، وبدا أنهم يقدمون أنفسهم لها، ويكشفون عن مواهبهم، وكأنهم يستشعرون ضعفها، فقرروا وضع السيناريو لها للقفز على ما جرى، فكنا أمام بدائية في التفكير، وعجز عن استيعاب أنهم يعيشون معنا على كوكب الأرض!

 

لقد قالوا إن الحادث حريق نتيجة اصطدام سفينتين، دون أن يضعوا في الحسبان أنه حادث سيهتم به العالم؛ لأنه ليس اشتعال نيران في شقة، أو حريقًا محدودًا في منطقة الدويقة، فالمسيرة استهدفت وحدة عائمة للتخزين وإعادة تغويز الغاز الطبيعي، تابعة لشركة أمريكية، وقد امتدت النيران لاحقًا إلى ناقلة الغاز المجاورة لها، المملوكة للصين، وتدار من جانب شركة يونانية!

 

والعدوان وقع في ميناء نشاطه الأساسي في مجال يهتم به العالم، وفي زمن الحرب التي يراد لها أن تتسع لتشمل المنطقة جميعها، ولسنا أمام عورة يصلح أن يسترها فهلوي بطرف ثيابه!

 

والحال كذلك، فقد أعلنت الحكومة حقيقة الموقف، وأنها مسيّرة مجهولة اخترقت الأجواء المصرية، وأصابت الهدف، وإن كان الإعلان بعد أكثر من عشرين ساعة، فإنه يحسب لها عدم الإنكار، بما يعني عدم الأخذ بهذه السيناريوهات الهابطة، التي اعتمدها هؤلاء البؤساء نسبةً إلى مصادر أمنية، ولا ندري لماذا لم يحاكموا بالتهمة الرائجة الآن، وهي نشر أخبار كاذبة!

 

خدم البلاط والمزيد من العبث

 

ولم يجد الذين من حول النظام، من إعلاميين ولجان ونواب، سبيلًا، مع هذه القدرات المتواضعة، إلا المزيد من العبث، فما يشغل كل واحد أن يرسل رسالة إلى قارئ واحد يثبت له فيها الإخلاص العذري، وأنه خادم في البلاط، في وقت يحتاج فيه النظام إلى عقول لا إلى أحذية، وإلى أحرار لا إلى خدم، فهؤلاء يمثلون التجمعات التي تهتف: "بالروح وبالدم.."، فأين من يصوغ الخطاب المقنع للجماهير؟! فهؤلاء هم الذين يحيطون بسيارة الرئيس، فأين هيكل؟! وهؤلاء هم حاشية القصر، فأين الخطاب الذي يعمل على إقناع العقلاء، ويقطع الطريق على المعارضين والأعداء؟!

 

لقد انحدر الأداء الأرعن إلى مستوى العبث، عندما يقولون: سنقتنع بأي رواية يقولها النظام، دون الأخذ في الاعتبار أن أي نظام عندما يتعرض لأزمة، فإنه في حاجة ماسة إلى من يبدو موضوعيًا في خطابه، لا إلى من يقدم للناس الدليل على أنه من أهل الغفلة، ويؤكد، بالاعتراف الذي هو سيد الأدلة، عدم أهليته للشهادة، فماذا استفاد النظام عندما يقدم رواية مترنحة يعتمدها تابع لا وزن له، ثقةً منه فيه؟! وفي التحديات، إذا لم تقدم الحكومات ما يؤكد أنها على مستوى اللحظة، فقدت أهليتها للإدارة، وشرعيتها للحكم!

 

وهذا عجز جرى استغلاله جيدًا، وفي مواجهة خطاب لم يكن له من داعٍ، فمع كل أزمة يمر بها العالم يتم افتعال شرعية، بأن قيمة النظام الحاكم أنه جنّب مصر خوضها. يشتبك الروس مع الأوكرانيين، فيكون من عظمة أهل الحكم أنهم أبعدوا مصر عن الحرب، ويخوض أهل غزة المواجهة مع الاحتلال، فيكون عدم خوض مصر للحرب مرده إلى استقامة القرار السياسي، وكأن تحرير مصر من الاحتلال كان بفضل النظام الحالي، فهو الذي طرد الإنجليز، وهو الذي أدار حرب أكتوبر 1973، وهو من حرر سيناء، وهو الذي أدار مفاوضات فض الاشتباك، وهو الذي قاد عملية السلام، وهو قاضي التحكيم في قضية طابا، وهو الذي لم يُهزم في يونيو 1967، فالمؤكد أن من كانوا سببًا في الهزيمة هم الإخوان!

 

انحطاط الخطاب

 

وعندما اشتد الوطيس على دول الخليج، كان أداء اللجان الإلكترونية -ولا نعرف من يديرها الآن- بما يمثل انحطاطًا منقطع النظير، حيث جاء مسكونًا بالشماتة، ومحملًا بما يوغر الصدور، وبالشعار البليد بأن من يأكل فولًا وطعمية أفضل ممن لديه قواعد أمريكية، وكأن الفضل في عدم وجود قواعد عسكرية لأمريكا يرجع إلى النظام الحالي، الذي جنّب مصر أن تكون في مرمى الصواريخ.

 

ثم اخترعوا مطلبًا من الخليج بحماية الجيش المصري لهم، فانطلقوا من هذا التخيل إلى أنهم يؤكدون أن الجيش مهمته حماية مصر، وليس من مهامه الدفاع عن آخرين ليست لديهم جيوش تدافع عنهم. ولم يُسكت أحد هؤلاء، لأن كون مصر بعيدة عن أجواء الحرب معناه إنجاز للسلطة الحاكمة، فاستمروا.

 

وتكرر خطاب يقال في مثل هذه المناسبات، أن أحدًا لا يمكنه الاقتراب من مصر، ومن اقترب احترق، وتم تصدير مصر على أنها الوحيدة القادرة على صد أي عدوان قبل أن يقع، ومن أراد أن تفقده أمه أو ترمل زوجته فليجرب، وهي عنتريات لا لزوم لها، والنيران تقترب من المنطقة، وأعمى من لا يرى من الغربال!

 

وعندما يكون هذا الخطاب هو الأساس، ثم تخترق مسيرة الحدود المصرية وتصيب أهدافها، من دون صد أو رد، ومن دون تحديد الجهة التي أطلقتها، فهل يلام من يصول ويجول؟ وهذه رمية بغير رام، والقوم حددوا مفهوم القوة والقدرة، وحدود الأهلية والشرعية، وها هم المعارضون يحاصرون خصومهم فلا يردون إلا بتفاهات، مثل أنهم سيصدقون أي رواية للحكومة، فأخرجوا أنفسهم من دائرة التأثير، ثم تبدو الحكومة عاجزة عن تحديد الجهة التي تطاولت على مقام السيادة المصرية، والرد عليها بما يليق.

 

وهذا العبث مفهوم في حالة الاستقطاب الكبرى التي تعيشها البلاد منذ خمسة عشر عامًا، مع اختلاف أطرافها، ويتعين على النظام إسكات أبواقه، فعندما يكون الوطن يواجه تحديًا كبيرًا، يمنع استفزاز الصغار والأغبياء، لأنهم لم ينجحوا في إنتاج خطاب يواجهون به المعارضة للنظام، أو يذودون به عنه. ضعف الطالب والمطلوب، وقد هُزموا حتى في معركة المزايدات.

 

عدم رصد المسيرة

 

ما لم يقله المؤيدون، لجهلهم ولهول الحدث مع سقوط دعايتهم السابقة، أن اختراق مسيّرة لحدود أي دولة ليس فيه ما يخل بهيبتها، أو يؤكد أنها لم تقم بالواجب إزاء حماية أمنها القومي، فهناك عناصر عدة تمكن المسيرات من اختراق الأجواء دون رصد، حتى إذا كانت الدولة يقظة، وغطاؤها الجوي يعمل بشكل جيد. وهذه العناصر مرتبطة بالتصميم، والتحليق المنخفض، والبصمة الحرارية والصوتية، حيث إن الصوت والحرارة يكادان يكونان معدومين.وليس في الأمر ما يشي بالتقصير، أو الإهمال، أو التغافل عن مواجهة مثل هذا التحدي، أو رصد الهدف والتعامل معه.

 

ونأتي إلى النقطة الأكثر أهمية في مجال انتقال المعارضة إلى مستوى المزايدة، وفق القاعدة الشهيرة: "ما تغلب به العب به". فالسلطة لم تعلن بعد الجهة التي تتبع لها هذه المسيرة، وإذا كان يمكن لها أن تخترق الأجواء، كما قلنا، فإن الوقوف على جهة إطلاقها لا يحتاج إلى كل هذا الوقت لكشف الحقيقة.

 

فالإعلان يستوجب الرد، وإلا كنا أمام عجز أضاع كل الدعايات السابقة، والحكومة هي من وضعت قواعد القوة وأصول الحكم، وهي الآن أمام أخف الضررين، في حالة ما إذا كانت تتكتم على الجاني، فعجز أهون من عجز.

 

والذين يكرهون إيران يروجون بأن الفاعل هي طهران، وبالتالي ينبغي على مصر أن ترد، والذين ينحازون إليها يروجون بأن الجاني قد تكون إسرائيل أو أمريكا، وبالتالي على مصر أن ترد!

 

ومن المزعج أن تضيع الحسابات الوطنية مع استحضار الحسابات الخاصة؛ لأنه بعد التخلص من جيوش المنطقة، لم يعد هناك من الجيوش التي عليها العين إلا الجيشان المصري والتركي، وهما مطلوبان لحرب تنتهي فيها قوتهما، فيصبح الجيش الإسرائيلي هو الجيش الأقوى في هذه المنطقة، ورد مصر هو المطلوب لتكون طرفًا في حرب من السلامة العقلية تجنبها، دون الدخول في مغامرة خطرة بكل المقاييس.

 

بيد أن حالة الاستقطاب السياسي أنتجت هذه المزايدات، والبعض، مع فقر القدرات، لا يشغلهم إلا التقرب من النظام بالنوافل، لمجرد إثبات الحضور، مثل تلك الدعوة التي أطلقها عدد من النواب، كل على حدة، للاصطفاف خلف النظام. وكأنه دخل الحرب فعلًا؟!

 

وهكذا مطلوب أن ندفع استحقاقات الحرب سياسيًا من لحم الحي، دون خوضها، والحرب، مع كونها هزيمة، منحت عبد الناصر شرعية للحكم منفردًا، والحرب، لأنها انتصار، منحت مبارك شرعية ثلاثين سنة حاكمًا أوحد على عرش المحروسة.

 

ومع الحرب فإن الجماهير تتدافع لتصطف وراء الحاكم، وليس مطلوبًا منه أي تنازل يقدمه لها. وطلب الرئيس محمد نجيب، بعد الهزيمة، من عبد الناصر أن يخرجه من الإقامة الجبرية إلى الجبهة، فلم يفعل، وطلب الإخوان والشيوعيون منه أن يخرجهم من السجن ويدفع بهم إلى المواجهة، فلم يفعل، إنما قرأ الخطابات على أنها تأييد له، وشرعية مضافة لحكمه، دون كلمة شكر منه.

 

والآن ترفع دعاوى الاصطفاف دون حرب، وبدون قيد أو شرط، وقد يصبح، بمقتضاها، تعديل الدستور واجبًا وطنيًا، وهذا هو التطور الجديد في شرعية الحروب، فهذه المرة شرعية لحرب لم تعلن، ومكافأة على عمل لم يؤدَ.

 

إن صمت المزايدين من الأطراف كافة هو واجب الوقت.