وقّعت إسرائيل مذكرة تفاهم غير ملزمة لتصدير ما يصل إلى 80 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي من حقل «تمار» إلى مصر، في صفقة قد تصل قيمتها إلى نحو 20 مليار دولار. ومن المقرر أن تمتد فترة التوريد من عام 2031 إلى 2038، مع إمكانية تمديدها تلقائيًا حتى نهاية عام 2043، وفقًا لما أوردته مجلة «ميدل إيست إيكونوميك سيرفي» (MEES) المتخصصة في شؤون الطاقة والنفط والغاز بالشرق الأوسط، في عددها الصادر في 24 يوليو.
وبحسب ما نشره موقع «نون بوست»، وقّعت الاتفاقية شركة «إسرامكو نيغيف 2» الإسرائيلية، التي تُعد أكبر مساهم في حقل «تمار» بحصة تبلغ 28.75%، إلى جانب شركة «مبادلة إنرجي تمار» المملوكة لحكومة أبوظبي، والتي تمتلك 11% من الحقل. ويمنح حضور «مبادلة» الصفقة بُعدًا إقليميًا، إذ لم يعد التعاون في هذا الملف محصورًا في الإطار المصري الإسرائيلي، بل توسع ليشمل شبكة من المصالح تضم شركات خليجية ودولية، من بينها «شيفرون».
ويأتي الاتفاق بعد نحو عام من الصفقة التي وُقعت في أغسطس 2025، في ذروة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والتي نصت على تصدير نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر بقيمة تقارب 35 مليار دولار حتى عام 2040. ووصفَت «تل أبيب» آنذاك الصفقة بأنها «أكبر صفقة غاز في تاريخ إسرائيل»، وفق تصريحات وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين.
ولا يمكن النظر إلى تنامي اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي من منظور اقتصادي بحت، إذ يأتي هذا التوجه في لحظة شديدة الحساسية، بالتزامن مع الضغوط التي تفرضها السياسات الإسرائيلية على الأمن القومي المصري شرقًا وجنوبًا، واستمرار الانتهاكات في قطاع غزة، وتعطيل الاتفاقيات التي تؤدي القاهرة دورًا محوريًا في رعايتها وتنفيذها.
ومن ثم، تتجاوز تداعيات هذه الصفقة حسابات الطاقة والتكلفة، لتفتح الباب أمام قراءات سياسية وأمنية واستراتيجية أوسع.
تفاصيل الاتفاق المقترح للغاز الإسرائيلي
تجدر الإشارة أولًا إلى أن الاتفاق المرتقب لا يزال مجرد مذكرة تفاهم غير ملزمة، ما يعني أنه لم يُوقّع بصيغته النهائية حتى الآن. غير أن التفاصيل الدقيقة التي كشفت عنها مجلة «ميدل إيست إيكونوميك سيرفي» تشير إلى أن الصفقة وصلت إلى مراحلها النهائية، وتنتظر التوقيع الرسمي النهائي من الأطراف المعنية.
وسيكون هذا الاتفاق المرتقب الثالث ضمن اتفاقيات طويلة الأجل لتصدير غاز «تمار» إلى مصر. ووقّع الطرفان الاتفاق الأول في فبراير 2018 لتوريد 32 مليار متر مكعب بقيمة تقديرية بلغت 7.5 مليار دولار، قبل أن يُعدّل في أكتوبر 2019، لتُخفض الكمية إلى 25.3 مليار متر مكعب على مدار 14 عامًا ونصف العام.
وجاء الاتفاق الثاني في فبراير 2024، ونص على توريد 43 مليار متر مكعب إضافية على مدار 10 سنوات، مع ربط زيادة الإمدادات باستكمال خط أنابيب «نيتسانا»، وتوسعة مسار خط الغاز العربي عبر الأردن، إلى جانب خط الأنابيب البحري بين عسقلان وأشدود، الذي اكتمل في يوليو الجاري.
وبحسب التسريبات، ينص الاتفاق الحالي على أن تورّد شركة «إسرامكو» 80 مليار متر مكعب من الغاز من حقل «تمار» اعتبارًا من عام 2031 وحتى نهاية عام 2038، مع إمكانية تمديد الاتفاق تلقائيًا حتى نهاية عام 2043 إذا مُدد امتياز إنتاج الحقل. وستبدأ الإمدادات بكميات سنوية محدودة في عام 2031 بالتزامن مع استمرار العقود السابقة، قبل أن ترتفع تدريجيًا مع اقتراب انتهاء تلك العقود.
وأشارت المجلة إلى أن تمديد توريد 80 مليار متر مكعب، الذي تبلغ قيمته 20 مليار دولار، يتطلب انضمام جميع الشركاء في حقل «تمار»، إذ لا تمتلك «إسرامكو» و«مبادلة إنرجي»، وهما طرفا الاتفاق، سوى 39.75% من حقوق الحقل، وهي حصة لا تكفي وحدها لتوفير الكميات المطلوبة.
ووفقًا للبيانات المتاحة، تتوزع ملكية الحقل بين «إسرامكو» الإسرائيلية بنسبة 28.75%، و«شيفرون ميديتيرانيان» التابعة للمجموعة الأميركية «شيفرون» بنسبة 25%، وشركة «تمار بتروليوم» الإسرائيلية بنسبة 16.75%، و«مبادلة إنرجي تمار» الإماراتية بنسبة 11%، و«تمار إنفستمنت 2» الإسرائيلية بنسبة 11%، و«دور غاز إكسبلوريشن» الإسرائيلية بنسبة 4%، و«يونيون إنرجي آند سيستمز 2» الإسرائيلية بنسبة 3.5%.
وقدّرت مجلة «ميدل إيست إيكونوميك سيرفي» متوسط السعر الفعلي للغاز على مدار مدة الاتفاق بنحو 7 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو سعر يتجاوز نحو 5.5 دولار دفعتها مصر مقابل الغاز المستورد من حقلي «تمار» و«ليفياثان» في عام 2025.
كما ينص الاتفاق على تحديد سعر الغاز وفق معادلة مرتبطة بأسعار خام برنت، مع وضع حد أدنى للسعر، وإلزام مصر بدفع قيمة حد أدنى من الكميات المتعاقد عليها حتى في حال عدم استلامها بالكامل، وفق الشروط التي سيحددها الاتفاق النهائي.
ولم تحدد المجلة موعدًا مرجحًا للموافقة الرسمية على الصفقة، لكنها ألمحت إلى إمكانية تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل. وفي الوقت نفسه، حذرت الشركة الإسرائيلية من عدم وجود ضمانات بشأن توقيع العقد النهائي أو الوفاء بشروطه أو تحقيق الكميات والإيرادات المتوقعة.
ورغم عدم تحديد «ميدل إيست إيكونوميك سيرفي» للشريك المصري في الصفقة، ذكرت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» أن الجانب المصري يتمثل في شركة «بلو أوشن إنرجي»، التي تأسست عام 2021 بهدف أن تصبح المستورد الرئيسي للغاز من حقلي «تمار» و«ليفياثان» الإسرائيليين بموجب عقود طويلة الأجل تمتد حتى عام 2040. وهي الشركة ذاتها التي وقّعت عقد عام 2025 في خضم الحرب على غزة.
القاهرة تواصل الاعتماد على الغاز الإسرائيلي
مع هذا الاتفاق المحتمل، تؤكد القاهرة استمرارها في المسار الذي بدأته قبل سنوات، والقائم على تعميق الاعتماد على الغاز الإسرائيلي. ففي عام 2025، وقّعت مصر صفقة وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ إسرائيل، بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار حتى عام 2040. واليوم، تواصل القاهرة النهج ذاته من خلال اتفاق جديد قد يمتد حتى عام 2043، ما يعني بقاء السوق المصرية مرتبطة بالغاز الإسرائيلي لنحو 18 عامًا متواصلة، من 2025 إلى 2043.
وأصبحت مصر، بشكل لافت، أكبر مستورد للغاز الإسرائيلي، إذ استحوذت في عام 2025 على نحو 75% من إجمالي صادرات إسرائيل من الغاز، بينما ذهبت النسبة المتبقية إلى الأردن. ويعكس ذلك تنامي الاعتماد العربي على مصادر الطاقة الإسرائيلية في وقت تحولت فيه الطاقة عالميًا إلى أداة نفوذ وورقة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها خلال الأزمات.
والأكثر إثارة للجدل أن القاهرة، في هذا المسار، تبدو وكأنها لا تستخلص الدروس الكافية من تجاربها السابقة. فخلال الحرب على غزة، أظهرت إسرائيل محاولات واضحة لاستخدام الغاز كورقة ضغط سياسية، إذ لوّحت حكومة الاحتلال مرارًا بخفض الإمدادات إلى مصر أو وقفها تحت ذرائع مختلفة، إلى جانب إعادة تقييم الاتفاقيات القائمة.
ورغم ذلك، تتحرك القاهرة لتوسيع دائرة اعتمادها على الغاز الإسرائيلي، ما يثير تساؤلات حول مخاطر تحويل ملف الطاقة إلى أداة ضغط سياسية مستقبلية، خاصة في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتداخل قضايا الأمن والطاقة.
ويشير طرح الاتفاق المحتمل بهذه الصورة، وبهذه التفاصيل المعلنة، رغم حساسية توقيته، إلى أن العلاقات المصرية الإسرائيلية لا تعيش، كما يُروّج أحيانًا، حالة توتر حقيقية بسبب اختلاف وجهات النظر بشأن الحرب على غزة وبعض الملفات الإقليمية. بل يبدو أنها انتقلت من مرحلة السلام البارد إلى مستوى أعمق من التعاون الاقتصادي، بالتزامن مع تزايد اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي.
ويكشف الاتفاق المحتمل أن مساحة المصالح المشتركة بين القاهرة و«تل أبيب» أصبحت في الوقت الراهن أكبر مما كانت عليه في فترات سابقة، وسط استمرار التعاون في عدد من الملفات الحيوية. وإلى جانب الغاز والطاقة، تشمل هذه الملفات أمن الحدود وترتيبات سيناء وإدارة معبر رفح والتنسيق الأمني في شرق البحر المتوسط.
ومن خلال المضي قدمًا في هذا الاتفاق، تبعث القاهرة برسالة واضحة إلى «تل أبيب» مفادها أنها قادرة على فصل الخلافات السياسية المرتبطة بملف غزة عن المصالح الاقتصادية البراجماتية مع إسرائيل. وتمثل هذه المعادلة نهجًا تتبناه الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط في علاقتها مع إسرائيل، وإنما أيضًا في إدارة العديد من علاقاتها الخارجية على أساس المصالح المتبادلة.
ويأتي الإعلان عن صفقة قد تدر عشرات المليارات من الدولارات على الاقتصاد الإسرائيلي بالتزامن مع تصريحات لوزارة الخارجية المصرية تؤيد تحرك بعض الدول لمقاطعة واردات المستوطنات الإسرائيلية، ما يثير جدلًا حول الفجوة بين الموقف السياسي المعلن تجاه بعض ممارسات الاحتلال، وبين تنامي مستوى التعاون الاقتصادي، ويفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول طبيعة هذه المعادلة وحدودها وتناقضاتها اللافتة أحيانًا.
مصر وإسرائيل بين حسابات البراجماتية وتداعياتها على غزة
يرتبط اندفاع القاهرة نحو تعميق الاعتماد على الغاز الإسرائيلي بأزمة الطاقة التي واجهتها مصر خلال السنوات الأخيرة، في ظل تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع معدلات الاستهلاك، ما دفع الحكومة إلى اللجوء للاستيراد من الخارج، وجعل الغاز الإسرائيلي أحد أبرز مصادر الإمداد، رغم وجود بدائل أخرى قد تكون أقل تكلفة من الناحيتين السياسية والاستراتيجية.
ولا يقتصر الأمر على ارتفاع الاستهلاك وتراجع الإنتاج، إذ يرتبط توجه مصر نحو الغاز الإسرائيلي أيضًا برغبة القاهرة في الوفاء بالتزاماتها الخارجية المتعلقة بالتصدير، وسعيها إلى ترسيخ موقعها مركزًا إقليميًا لتجارة الغاز وتسييله عبر منشآتها، قبل إعادة تصديره إلى الأسواق العالمية.
غير أن هذا الطموح قد يصطدم بقدرة إسرائيل على استخدام ورقة الغاز من وقت إلى آخر، وفقًا للتطورات الإقليمية ومسار العلاقات السياسية، وهو ما قد يفرض تحديات وعقبات كبيرة أمام استمرار هذا الدور.
أما الجانب الإسرائيلي، فيُعد المستفيد الأكبر بطبيعة الحال من هذه الصفقات، إذ تضمن له سوقًا ضخمة ومستقرة لتصريف إنتاجه من الغاز لعقود مقبلة، وتوفر تدفقات مالية بالدولار لسنوات طويلة، فضلًا عن زيادة ارتباط الاقتصاد المصري بمصادر الطاقة الإسرائيلية. وقد تتحول هذه التبعية مستقبلًا إلى ورقة نفوذ وضغط في يد «تل أبيب»، تمنحها قدرة أكبر على التأثير في بعض الحسابات المصرية المرتبطة بالملفات الإقليمية.
ولا يمكن قراءة هذه الصفقات التي تعمق التعاون المصري الإسرائيلي بمعزل عن سياقها الإقليمي والدولي، خاصة أنها تأتي في وقت يشهد فيه قطاع غزة انتهاكات إسرائيلية واسعة، وخرقًا واضحًا لشروط اتفاق شرم الشيخ، إلى جانب استمرار المساعي الإسرائيلية لإعادة رسم خريطة المنطقة بما يتوافق مع رؤيتها وأجندتها السياسية.
ومن هذا المنظور، قد تترك الصفقة المقترحة تداعيات سياسية سلبية، حتى وإن كانت غير مباشرة، على مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي عمومًا، والقضية الفلسطينية والوضع في قطاع غزة خصوصًا. ولعل أبرز هذه التداعيات يتمثل في تراجع احتمالات حدوث قطيعة مصرية إسرائيلية، إذ يؤدي تشابك المصالح الاقتصادية عبر عقود طويلة الأجل إلى رفع تكلفة أي تصعيد سياسي، ويجعل خيار القطيعة، أو حتى التلويح بها، أكثر صعوبة بسبب الخسائر والتداعيات الاقتصادية والاستراتيجية التي قد تترتب عليه.
كما تمنح هذه الصفقات إسرائيل قدرًا أكبر من الطمأنينة الاستراتيجية طويلة الأمد، عبر ضمان سوق مستقرة لتصريف إنتاجها من الغاز، وتأمين تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية، وتعزيز موقعها موردًا رئيسيًا للطاقة في المنطقة. ومن هنا، قد يتحول الحديث عن «عزل إسرائيل» إلى مجرد شعار يفتقر إلى حضور فعلي، على الأقل في العالم العربي.
وفي السياق ذاته، قد يؤدي الإعلان عن هذه الاتفاقيات في وقت تتفاقم فيه معاناة سكان غزة، بالتزامن مع ما يراه الفلسطينيون تنصلًا إسرائيليًا من الالتزامات المنصوص عليها في اتفاق شرم الشيخ، واستمرار الانتهاكات في الضفة الغربية ومختلف الأراضي الفلسطينية، إلى إضعاف قدرة الدول الضامنة للاتفاق على ممارسة ضغط مؤثر على إسرائيل.
وفي ظل هذه المعادلة، يصعب تصور ممارسة ضغوط قوية على طرف ترتبط معه هذه الدول بشراكات اقتصادية بهذا الحجم.
وبينما يعقد الفلسطينيون في غزة آمالًا على إمكانية استخدام الدول العربية أوراق الضغط السياسية والاقتصادية لدفع إسرائيل إلى وقف الانتهاكات والالتزام ببنود الاتفاقيات الموقعة، تثير هذه الصفقات مخاوف من تراجع فاعلية تلك الأوراق، لتعود المنطقة إلى نقطة أكثر تعقيدًا يجد فيها الفلسطينيون أنفسهم في مواجهة مفتوحة بقدرات محدودة، وسط غياب ضغط إقليمي قادر على تغيير مسار الأحداث.
https://www.noonpost.com/en/380490/amp/

