كشفت تحركات أسواق الطاقة العالمية تجاوز سعر النفط 90 دولارا للبرميل، بالتزامن مع تراجع الجنيه في مصر إلى أكثر من 51 جنيها للدولار، ما ينذر بزيادة فاتورة الاستيراد وتصاعد ضغوط التضخم.
وتضع هذه القفزة ملايين المصريين أمام موجة غلاء جديدة، بينما تواصل السلطة تحميل المواطنين نتائج اقتصاد هش قائم على الاقتراض والاستيراد، دون بناء احتياطات تحمي الغذاء والنقل والأجور من صدمات الخارج المتكررة.
وبحسب بيانات الأسواق، لم تنجح التهدئة العسكرية المؤقتة وتعليق الضربات الأمريكية على إيران في إعادة النفط إلى مستوياته السابقة، إذ بقيت المخاطر الجيوسياسية مسعرة داخل البرميل وتكاليف الشحن والتأمين المرتفعة حاليا.
وفي المقابل، أبقى احتمال تجدد المواجهة حول إيران ومضيق هرمز المتعاملين في حالة حذر، لأن أي اضطراب جديد في الممر البحري قد يعطل الإمدادات ويرفع أسعار الطاقة والسلع المنقولة عالميا.
ومن جانب آخر، يتزامن ارتفاع النفط مع تجاوز الدولار مستوى 51 جنيها، ما يضاعف تكلفة كل برميل مستورد بالعملة المحلية، ويمنح الأزمة الخارجية طريقا أسرع إلى الأسواق والمصانع ووسائل النقل.
وفوق ذلك، لا تتوقف آثار الطاقة عند محطات الوقود، بل تمتد إلى الشحن والتبريد والزراعة والصناعة، ثم تظهر تدريجيا في أسعار الغذاء والدواء والخدمات التي تستنزف دخول الأسر محدودة الدخل.
الهدنة لا تطمئن الأسواق
يرى المحلل الأول في شركة برايم للاستثمار مينا رفيق أن استمرار الصراع الإقليمي قد يدفع تضخم المدن إلى نحو 15 بالمائة خلال يوليو، ثم إلى نطاق بين 17 و18 بالمائة لاحقا.
وبالتالي، تعكس توقعات رفيق حساسية الاقتصاد المصري لأي صدمة نفطية جديدة، بعدما أصبحت تكاليف الطاقة وسعر الصرف عاملين متداخلين يرفعان أسعار المنتجين، ثم ينتقلان سريعا إلى المستهلك عبر سلاسل التوريد.
كما أن وقف الضربات الأميركية مؤقتا لا يساوي تسوية سياسية دائمة، إذ تظل الأسواق منشغلة بإمكانية انهيار المفاوضات وعودة المواجهة، وهو ما يبقي علاوة المخاطر مضافة إلى أسعار الخام عالميا.
ولذلك، قد تبقى الأسعار مرتفعة حتى مع غياب هجمات جديدة، لأن شركات الشحن والتأمين تحتسب احتمالات الخطر مسبقا، وتضيف كلفتها المتزايدة إلى حركة الناقلات والبضائع العابرة من المنطقة.
ومن ثم، يصبح مضيق هرمز نقطة ضغط مباشرة على مصر، ليس فقط بسبب واردات الطاقة، بل لأن اضطراب التجارة العالمية يرفع تكلفة المواد الخام والقمح والزيوت والمكونات المستخدمة في الإنتاج.
علاوة على ذلك، تواجه الحكومة فجوة بين السعر المفترض للنفط في الموازنة والأسعار الفعلية المرتفعة، ما يهدد بزيادة دعم الطاقة أو دفعها إلى رفع الأسعار محليا لتقليل العبء المالي المتصاعد.
وبناء على ذلك، قد تتحول الهدنة إلى مجرد استراحة قصيرة قبل صدمة أخرى، بينما تظل الأسر المصرية بلا حماية حقيقية من انتقال فروق الأسعار إلى المواصلات والخبز والسلع اليومية الأساسية.
الجنيه يوسع دائرة الغلاء
تتوقع رئيسة البحوث في شركة برايم لتداول الأوراق المالية ولاء أحمد أن يظهر أثر ارتفاع النفط سريعا في بيانات الأسعار، مرجحة وصول تضخم المدن إلى نحو 15 بالمائة خلال يوليو.
وفي هذا السياق، لا يواجه الاقتصاد نفطا أغلى فقط، بل يدفع ثمنه بدولار تجاوز 51 جنيها، بما يعني أن الزيادة العالمية تتضخم محليا قبل دخولها خزائن الشركات والمصانع ومحطات الوقود.
وفي الوقت نفسه، يزيد خروج المستثمرين الأجانب من أدوات الدين الضغوط على العملة المحلية، لأن تراجع التدفقات الدولارية يضعف قدرة السوق على امتصاص طلب المستوردين وسداد الالتزامات الخارجية المتراكمة.
وبالرغم من ذلك، تواصل الحكومة الاعتماد على الأموال الساخنة لسد فجوات النقد الأجنبي، رغم أنها سريعة الخروج عند الأزمات، ما يجعل الجنيه رهينة لتقلبات المستثمرين والفائدة والتوترات الإقليمية المستمرة.
كذلك، يؤدي ضعف الجنيه إلى رفع تكلفة الشحن وقطع الغيار والأسمدة والأعلاف والدواء، وهي مدخلات لا يستطيع المنتجون الاستغناء عنها، فينقلون الزيادة مباشرة إلى الأسعار أو يقلصون الإنتاج المحلي.
ومن ناحية أخرى، سجل تضخم المدن 14.3 بالمائة في يونيو بعد مستويات أعلى خلال الحرب، لكن بقاء النفط مرتفعا قد يعكس الاتجاه ويبدد أي تحسن محدود شعر به المستهلكون خلال الفترة الماضية.
إضافة إلى ذلك، لا تعني الأرقام الرسمية تراجع معاناة الأسر بالضرورة، لأن مستويات الأسعار نفسها تظل مرتفعة، بينما يقيس انخفاض التضخم تباطؤ سرعة الزيادة ولا يعني عودة السلع إلى أسعارها السابقة.
السيناريو الأصعب يقترب
تضع مديرة البحوث في شركة نعيم للوساطة سلمى طه سيناريو يرتفع فيه تضخم المدن إلى نطاق بين 15 و17 بالمائة إذا استقر النفط بين 90 و95 دولارا عدة أشهر متواصلة.
وأمام ذلك، تحذر طه من سيناريو أشد قسوة إذا تجاوز النفط نطاق 100 إلى 110 دولارات، بالتزامن مع تراجع الجنيه أو زيادة الوقود، حين قد يبلغ التضخم بين 18 و20 بالمائة.
وبموازاة ذلك، ستكون المواصلات أولى قنوات انتقال الصدمة، إذ ترفع زيادة السولار والبنزين تكلفة نقل العمال والبضائع، ثم يعيد التجار والمصنعون توزيعها مباشرة على أسعار المنتجات والخدمات النهائية.
وعوضا عن امتصاص الصدمة عبر إصلاح الإنفاق وتقليل الاستيراد غير الضروري، قد تلجأ الحكومة مجددا إلى تحميل المواطنين الفاتورة، باعتبار رفع الوقود الطريق الأسرع لتقليل عجز الموازنة المتفاقم.
وفي المقابل، تواجه الأسر موجة الغلاء بأجور فقدت جزءا كبيرا من قيمتها، بينما تلتهم زيادات الطعام والسكن والمواصلات أي تحسن اسمي، وتدفع شرائح جديدة نحو الاقتراض وتقليص الاحتياجات الأساسية.
وعلى هذا الأساس، لا يصبح السؤال ما إذا كانت الأسعار سترتفع فقط، بل مدى اتساع الزيادة وقدرة المواطنين على تحملها، خصوصا إذا طال التوتر الإقليمي واستمر الدولار فوق مستوياته الحالية المرتفعة.
وفي المحصلة، تكشف أزمة النفط أن الاقتصاد المصري دخل كل صدمة خارجية دون شبكة أمان، لأن سنوات الاقتراض وبيع الأصول لم تنتج صناعة قوية أو عملة مستقرة أو حماية اجتماعية كافية.
وختاما، يقترب شبح موجة غلاء جديدة ما دامت الحكومة تراهن على الهدنة المؤقتة بدلا من معالجة هشاشة الاقتصاد، بينما يظل المواطن الحلقة الأضعف التي تدفع ثمن النفط والدولار والديون معا.

