أظهر الإعلامي عمرو أديب، خلال برنامجه مساء السبت في القاهرة، دفاعه عن أسعار الساحل الشمالي، قائلاً إن المصيف مكلف في كل دول العالم، بما أثار جدلاً واسعاً حول الفجوة بين القادرين وبقية المصريين.
جاءت التصريحات بينما يعيش ملايين المصريين تحت ضغط الغلاء وتآكل الأجور، فتبدو دعوة الناس إلى عدم التعكير على أثرياء الساحل كأنها إنكار فج لمعاناة أغلبية حُرمت حتى من مصيف متواضع في بلطيم.
بحر للأغنياء فقط
وبداية، لم يكن اعتراض المنتقدين على حق الأثرياء في الإنفاق، بل على تحويل الشاطئ العام إلى امتياز طبقي، ثم مطالبة الفقراء بالصمت كي لا يفسدوا فرحة من لا يشعرون بارتفاع الأسعار.
وفي المقابل، قدم أديب المسألة باعتبارها هجوماً على الفرح ذاته، متجاهلاً أن السؤال الحقيقي يتعلق بمن يملك الوصول إلى البحر، ومن يدفع ثمن السياسات التي جعلت الراحة موسماً مغلقاً للأغنياء.
كما أن عبارة المصيف دائماً بفلوس تتجاهل فرقاً جوهرياً بين تكلفة مقبولة وخدمات عامة، وبين نموذج عقاري يرفع الدخول والأسعار والحواجز حتى تصبح الإجازة السنوية حلماً بعيداً عن الموظف والعامل.
ولذلك، يعكس الجدل صورتين لمصر واحدة، الأولى ترقص في حفلات الساحل وتتعامل مع الأسعار كأرقام عابرة، والثانية تحسب ثمن المواصلات والطعام والدواء والإيجار قبل التفكير في يوم واحد أمام البحر.
ومن ثم، لا تبدو بلطيم هنا مجرد مدينة ساحلية أرخص، بل رمزاً لسقف الأحلام المنخفض لدى أسر لم تعد تطلب رفاهية، وإنما مساحة عامة نظيفة تستطيع بلوغها دون اقتراض أو إذلال.
غير أن الخطاب الإعلامي المساند للأثرياء يختزل الأزمة في الحسد والنكد، وهي صياغة تبرئ السياسات الاقتصادية، وتحمل الفقير مسؤولية غضبه، وتحوّل النقاش من العدالة الاجتماعية إلى الدفاع عن رفاهية الأقلية.
علاوة على ذلك، تكشف المقارنة بين الساحل وبلطيم كيف أعيد توزيع البحر نفسه، فالمياه واحدة، لكن البوابات والأسوار والأسعار صنعت حدوداً اجتماعية شديدة القسوة تفصل المصريين بحسب القدرة على الدفع.
وبحسب عالم الاجتماع أحمد زايد، انقسمت الطبقة الوسطى المصرية إلى شرائح متفاوتة، وتتركز نسبة كبيرة منها في الشريحة الدنيا، وهو ما يفسر اتساع الشعور بالعجز عن مجاراة تكاليف المعيشة والترفيه.
اقتصاد يعاقب الفقراء
وبالتالي، لا يمكن قراءة مشاهد الزحام داخل القرى الراقية دليلاً على رخاء المجتمع كله، لأنها تعكس شريحة محدودة شديدة الظهور، بينما تغيب الأغلبية المنهكة عن الكاميرات وعن حسابات البرامج المسائية.
في السياق نفسه، يؤدي عرض إنفاق الساحل باعتباره الحالة الطبيعية إلى إخفاء تراجع القدرة الشرائية، فالمواطن الذي كان يدخر أسبوعاً للمصيف أصبح يوجه دخله كله للطعام والإيجار والدواء وفواتير الخدمات.
أما الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، فيرى أن السياسات الاقتصادية انحازت لرأس المال الكبير على حساب محدودي الدخل والطبقة الوسطى، وأن النظام الضريبي والاقتراض المتوسع عمقا انتقال الأعباء نحو الفئات الأضعف.
وبناءً على ذلك، يصبح ثراء الساحل نتيجة لاقتصاد يركز الامتيازات في دوائر محدودة، لا برهاناً على نجاح شامل، بينما تتحمل بقية البلاد التضخم والضرائب وتراجع الخدمات وارتفاع كلفة الاحتياجات الأساسية.
كذلك، لا يطلب الفقراء إغلاق الساحل أو منع الحفلات، وإنما يسألون لماذا تحظى الاستثمارات الفاخرة بالطرق والمرافق والحماية الكاملة، بينما تظل الشواطئ الشعبية مزدحمة ومهملة وفقيرة إلى أبسط الخدمات الأساسية.
وفي الوقت ذاته، تبدو عبارة لا تعكننوا علينا سياسية أكثر منها ترفيهية، لأنها تطالب المتضرر بإخفاء ألمه تماماً حتى تستمر صورة البلاد اللامعة، ولو كانت مصنوعة فوق اتساع الفقر والتفاوت.
ومن ناحية أخرى، يرى الباحث العمراني يحيى شوكت أن التوسع العقاري في الساحل غيّر توجهات إدارة الأراضي نحو النهج التجاري، بما جعل العمران أداة لتحقيق الأرباح بدلاً من ضمان الاستخدام العام العادل.
الشاطئ خلف الأسوار
لذلك، تحولت مساحات واسعة من الشاطئ إلى منتج عقاري مغلق، يُباع الوصول إليه ضمن الوحدة أو الإيجار، بينما تراجعت فكرة الساحل باعتباره مورداً طبيعياً مشتركاً وحقاً عاماً لجميع المواطنين.
وفي ضوء ذلك، يصبح السؤال عن الشواطئ العامة مشروعاً لا شعبوياً، لأن الدولة مسؤولة عن موازنة الاستثمار الخاص بحق الناس في الوصول إلى البحر، وليس الاكتفاء بحراسة الأسوار وتحصيل عوائد الأراضي.
إلى جانب ذلك، يؤكد الخبير السياحي حسام هزاع أن الساحل ملك لكل المصريين، وأن إنشاء شواطئ عامة منظمة ومجهزة يحقق العدالة، ويخدم شرائح واسعة، ويدعم السياحة الداخلية بدلاً من حصرها في القادرين.
وهكذا، يسقط الادعاء بأن الاعتراض يستهدف إغلاق الساحل، فالمطلب الحقيقي هو فتح جزء منه للمجتمع، وإتاحة خيارات محترمة بأسعار معقولة للجميع، مع بقاء المنتجعات الخاصة لمن يستطيع فعلاً تحمل تكلفتها.
ثم إن بلطيم نفسها لا ينبغي استخدامها كمرادف للفقر أو كعقوبة بديلة، فهي مدينة مصرية تستحق التطوير والخدمات، لكن المقارنة تكشف كيف جرى تصنيف الشواطئ والمواطنين ضمن درجات اجتماعية قاسية.
وفوق ذلك، فإن الاحتفاء بقدرة مجموعة على دفع آلاف الجنيهات يومياً يصبح مستفزاً حين تعجز أسر عن شراء الدواء أو اللحوم، وتضطر إلى حذف الإجازة من ميزانيتها عاماً بعد عام.
وبالمحصلة، لا يصنع الساحل المزدهر مجتمعاً مزدهراً، كما لا تثبت المطاعم الممتلئة سلامة الاقتصاد، لأن مظاهر الاستهلاك المكثف قد تتجاور بسهولة مع فقر واسع وتدهور طويل في مستوى معيشة الأغلبية.
وعليه، تكمن خطورة تصريحات أديب في أنها تمنح التفاوت غطاءً أخلاقياً شديد الوضوح، فالغني سعيد لأنه يدفع، والفقير متهم بالتعكير لأنه يسأل، بينما تختفي مسؤولية الدولة عن توزيع الفرص والخدمات.
وفي النهاية، يحتاج المصريون إلى إعلام يرى البلاد خارج بوابات المنتجعات، ويقيس النجاح بقدرة الأسرة العادية على الراحة والعيش الكريم فعلاً، لا بعدد الحفلات والسيارات الفاخرة والمطاعم المحجوزة بالكامل.
وأخيراً، لن يكون البحر عادلاً ما دام الوصول إليه امتيازاً، ولن تصبح مصر بخير لأن شعب الساحل مبسوط، بينما يقف ملايين المواطنين بعيداً عن الشاطئ، يحسبون كلفة الطريق قبل كلفة المصيف.

