وائل قنديل

كاتب صحافي مصري

 

كانت اللغة العربية، وما زالت، وستظلّ الأجمل بين لغات العالم، من حيث ثراء المفردات وتنوّعها ودفئها وموسيقاها وقدرتها على التعبير، ولا يضير هذه اللغة أو يخدش بهاءها أنّ كلّ ما هو مُدهش وراق من كلماتها صار يتخذ معاني قبيحة في خطاب حُكّام الشعوب الناطقة بها، وخصوصًا عندما يكون الحديث عن أنبل ما في هذه الأمّة من مواقف وأفعال.

 

تُهان هذه اللغة وتُباع في أسواق نخاسة السياسة عندما يصطنع الساسة، الذين يتحكّمون في شؤون البلاد والعباد، لكلماتها تعريفات ومرادفات ليست لها، أو منها، على نحو ما يهرفون ويثرثرون بين يدي أعدائها. هنا تصبح للكلمات معان فاسدة، وتُستعمل في وصف الأفعال الرديئة كلمات رائعة هي على النقيض تمامًا ممّا يوظفونها فيه.

 

كان تعريف البطولة في اللغة العربية الأصلية الجميلة يُشير إلى الذين بذلوا دماءهم دفاعًا عن المجتمع، قبيلة أو دولة، أو أرض أو عرض أو كرامة وحرية، وفي ذلك ذهب أستاذ الأدب واللغة، شوقي ضيف، إلى أنّ البطولة في اللغة هي الغلبة على الأقران، وهي غلبة يرتفع بها البطل عمّن حوله من الناس العاديين ارتفاعا يملأ نفوسهم له إجلالًا وإكبارًا. وقديما كان البطل في القبيلة، وفي عهود الحياة الأولى للأمم، يُعدّ شخصًا مُقدّسًا، بل لقد كانوا يظنونه أحيانا من سلالة الآلهة، وكأنّه هبة تهبها لهم، حتى لا يقعوا فريسة لمن سواهم. وفي العصر الحديث ارتبط مفهوم البطل بمقاومة الغزاة والمُحتلين والمُستعمرين، الذي لا يتردّد في أن يدافع من أجل كرامة وطنه وشعبه حتى الموت.

 

غير أنّ ذلك كله قد تبدّل منذ صارت أمّة العرب تُسمّي الخضوع والاستسلام سلامًا، وتصف الخنوع والمذلّة بالحكمة، وتُطلق على مصادقة الأعداء واستعداء الأشقاء حكمة ورؤية ثاقبة تسبق عصرها، وفي المقابل صارت الحرب كلمة قبيحة نابية حتى لو كانت من أجل تحرير الأرض والإنسان من احتلال يرتكب كلّ أنواع الجرائم، ثم يجد من يقف له في نهاية الطريق مُمسكًا بغصن زيتون، ويعانقه بحرارة ويعطي ذلك كله مسمّى "سلام الشجعان". بدأ هذا منذ زيارة عدّتها إسرائيل أثمن وأقوى من امتلاك القنبلة النووية، قام بها أنور السادات إلى القدس المُحتلة، أهدر فيها نصرًا عسكريًّا تاريخيًّا ثم وجد من يغنّي له "بطل السلام" ليتبعه لاحقًا آخرون في مُعانقة الهزيمة وسط أضواء مهرجانات البطولة الزائفة، كما فعل ياسر عرفات في أوسلو، أو قل النكبة الثانية، لتنهمر النكبات في السنوات التالية، كلّ نكبة يعطونها اسمًا فخيمًا، من كنوز معجم اللغة العربية الذبيحة في احتفالات السلام.

 

بالوصول إلى زمن محمود عبّاس انحرفت اللغة، معجميًّا، حدّ العهر، ليأخذ التعاون مع الأعداء الغزاة ضدّ مقاوميهم من أبناء الشعب اسم "التنسيق الأمني"، وتصبح المقاومة جنونًا وتهوّرًا و"حكي فاضي" في البدايات، قبل أن تُصنّف أعمالًا إرهابية وجرائم تاريخية في النهايات، ويصير المقاومون منبوذين مُطاردين حدّ القتل والتصفية على يد نفر من طبقة "الحكماء العقلاء" محبّي الحياة والإنسانية من أبناء شعبهم، الذين يخدمون الاحتلال، ثم لا يكون مسموحًا لأحد أن يسمّي هذا خيانة، وإلا فهو من كارهي الوطن والحياة.

 

في المشهد اللبناني الراهن، لم تصل الحالة إلى مرحلة "الأبو مازن" و"الأبو شباب" بعد، إذ لا يزال النظام اللبناني الرسمي كريمًا ومُهذّبًا ويكتفي بوصف المقاومة بالجنون والمغامرة، ويصف المقاومين بالمُشاغبين الذين يعملون لمصلحة أطراف خارجية يهمّها إفساد دفء اللحظة الحميمية بين "لبنان جوزاف عون" والكيان الصهيوني، ويحاولون إضاعة "الإنجاز التاريخي المُتمثّل في توقيع اتفاق الإطار" الذي وهبه البابا ترامب للشعب اللبناني، أو الجزء الطيّب منه، الذي لا يقاوم ولا يساعد على مقاومة الاحتلال، الذي يناضل الرئيس اللبناني "بطل السلام" من أجل "هدفنا إنهاء العداء بين إسرائيل ولبنان بشكل نهائي".

 

منطقي والحال كذلك، وبحسب معجم اللغة العربية الجديدة، القبيحة، أن يصبح فعل إسناد الشقيق "الفلسطيني" في مواجهة العدو الذي يذبح أطفاله ويبقر بطون نسائه ويعذّب رجاله، مرذولًا ومذمومًا ومُستنكرًا، بل وضرب من ضروب الخيانة للبنان الكبير الذي في طريقه إلى أن يكون أكبر ببَرَكة دونالد ترامب، وبمحبّة بنيامين نتنياهو، شريك السلام ورفيق درب الكفاح ضدّ هؤلاء المقاومين الخونة الذين يضعون لبنان رهينة في يد الأشرار الذين يحاربون الأخيار الطيبين في واشنطن وتل أبيب.