تتواصل شكاوي العاملين الحاليين والسابقين في اتحاد الإذاعة والتليفزيون "ماسبيرو"، في وقت تكشف فيه البيانات المالية الرسمية عن استمرار تدهور الأوضاع المالية للهيئة الوطنية للإعلام، التي تتولى إدارة الاتحاد منذ إنشائها عام 2016، وسط خسائر متراكمة تجاوزت 119 مليار جنيه، وديون ضخمة، وانتقادات متكررة بشأن أوضاع العاملين وأصحاب المعاشات.

 

وأعاد منشور للإعلامية غادة الطويل، كبيرة المذيعات السابقة باتحاد الإذاعة والتليفزيون، فتح الملف مجددًا، بعدما أعلنت أنها فوجئت بعدم سداد الاشتراكات التأمينية الخاصة بها إلا لمدة ستة أشهر فقط، رغم عملها داخل التليفزيون المصري لمدة 36 عامًا، وهو ما قالت إنه حرمها من الحصول على معاشها المستحق، في واقعة أثارت تفاعلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وتأتي هذه الواقعة ضمن سلسلة طويلة من الشكاوى التي تقدم بها العاملون والمحالون إلى المعاش خلال السنوات الماضية، بشأن تأخر صرف مستحقاتهم المالية، أو وجود مشكلات تتعلق بالتأمينات والمعاشات ومكافآت نهاية الخدمة.

 

119.9 مليار جنيه خسائر مرحلة


تكشف أحدث الحسابات الختامية للعام المالي 2024/2025، الصادرة عن الجهاز المركزي للمحاسبات، أن إجمالي الخسائر المرحلة للهيئة الوطنية للإعلام بلغ نحو **119.9 مليار جنيه**، بما يمثل **44.9%** من إجمالي الخسائر المرحلة لكافة الهيئات الاقتصادية في مصر، والتي بلغت 267.15 مليار جنيه.

 

وتوضح القوائم المالية استمرار تسجيل الهيئة خسائر سنوية متزايدة منذ بدء عملها في العام المالي 2016/2017، إذ ارتفعت الخسائر السنوية من **5.43 مليار جنيه** في أول عام إلى **14.68 مليار جنيه** في العام المالي 2024/2025.

 

وتشير البيانات إلى أن خسائر الهيئة وحدها مثلت 90.7% من إجمالي خسائر الهيئات الاقتصادية خلال ذلك العام، والتي بلغت نحو **16.13 مليار جنيه**، وهو ما يعكس حجم الأزمة المالية التي تواجهها المؤسسة الإعلامية الحكومية الأكبر في البلاد.

 

فوائد الديون تستنزف الميزانية


تشير البيانات المالية إلى أن الجزء الأكبر من خسائر الهيئة يعود إلى أعباء الديون وفوائدها، وليس فقط إلى التشغيل.

 

وكان رئيس الهيئة الوطنية للإعلام أحمد المسلماني قد أعلن خلال اجتماع لجنة الإعلام بمجلس النواب في أبريل 2026، أن أصل ديون ماسبيرو يبلغ **42.6 مليار جنيه**، معظمها مستحق لبنك الاستثمار القومي.

 

وتكشف القوائم المالية أن فوائد هذه الديون أصبحت عبئًا رئيسيًا على الموازنة، إذ بلغت خلال الفترة من 2016/2017 وحتى 2023/2024 نحو **48.3 مليار جنيه**، وهو ما يمثل **72.3%** من إجمالي خسائر الهيئة خلال تلك الفترة، والتي وصلت إلى 66.8 مليار جنيه.

 

ويرى متابعون أن استمرار تراكم الفوائد يؤدي إلى اتساع الفجوة المالية عامًا بعد آخر، ويقلص قدرة الهيئة على توجيه مواردها لتطوير المحتوى أو تحديث البنية التكنولوجية أو تحسين أوضاع العاملين.

 

أزمات العاملين تتواصل منذ سنوات


بالتزامن مع تصاعد الخسائر، شهد ماسبيرو خلال السنوات الماضية احتجاجات متكررة للعاملين، كان أبرزها في عام 2022، عندما نظم عدد من الموظفين وقفات احتجاجية استمرت على مدار شهرين، اعتراضًا على ظروف العمل وخطط تقليص العمالة التي طالت آلاف الموظفين.

 

كما شهدت الهيئة أزمات متعلقة بتأخر صرف المرتبات ومستحقات أصحاب المعاشات، إضافة إلى شكاوى متكررة من عدم صرف بعض المستحقات المالية لفترات طويلة.

 

وأشارت تقارير حقوقية إلى أن بعض أصحاب المعاشات ظلوا يطالبون بحقوقهم المالية منذ عام 2018، فيما اشتكى عدد من الموظفين من حجب العلاوات الدورية عن بعض الفئات، مقابل انتظام صرفها لقيادات وقطاعات أخرى.

 

كما تناولت تقارير حقوقية أزمة خصم **5%** من مكافآت نهاية الخدمة لصالح صندوق "الأغراض الاجتماعية"، وهو ما أثار اعتراضات واسعة بين أصحاب المعاشات الذين اعتبروا أن مستحقاتهم استخدمت لتغطية احتياجات مالية داخل الهيئة.

 

تراجع وزن الأجور داخل المصروفات


ورغم استمرار الحديث عن الأعباء المالية للعاملين، فإن البيانات تشير إلى انخفاض نسبة الأجور إلى إجمالي المصروفات.

 

ففي العام المالي 2016/2017 بلغت مخصصات الأجور **2.187 مليار جنيه**، بما يمثل **29.6%** من إجمالي المصروفات البالغة آنذاك 7.4 مليار جنيه.

 

أما في العام المالي 2024/2025 فقد ارتفعت قيمة الأجور إلى نحو 3.8 مليار جنيه، لكنها مثلت **22.6%** فقط من إجمالي المصروفات التي وصلت إلى **16.8 مليار جنيه**، مع توقع انخفاض النسبة إلى **21.2%** في موازنة العام المالي 2025/2026.

 

ويعكس ذلك أن نمو المصروفات العامة للهيئة كان أسرع من نمو بند الأجور، رغم استمرار تقليص أعداد العاملين خلال السنوات الأخيرة.

 

الإيرادات لا تواكب تضخم النفقات


في المقابل، تظهر البيانات أن الإيرادات لم تحقق نموًا يتناسب مع الزيادة الكبيرة في المصروفات.


فبينما تضاعفت المصروفات بأكثر من الضعف خلال السنوات الأخيرة، تراوحت الإيرادات السنوية للهيئة بين **1.68 مليار جنيه** و**2.34 مليار جنيه** فقط، وهو ما أدى إلى اتساع العجز المالي عامًا بعد آخر.

 

ويرى خبراء أن استمرار ضعف الإيرادات يعكس التحديات التي تواجه الإعلام الرسمي في المنافسة داخل سوق إعلامية تشهد تغيرات متسارعة، إلى جانب ارتفاع تكاليف التشغيل وخدمة الدين.

 

ملاحظات رقابية بشأن استخدام مخصصات سداد الديون


كما رصد الجهاز المركزي للمحاسبات في تقاريره السنوية عددًا من الملاحظات المتعلقة بإدارة المخصصات المالية الموجهة لسداد القروض.

 

وأوضح الجهاز أن وزارة المالية استخدمت في أكثر من عام مالي مبالغ مخصصة لسداد أقساط مستحقة لبنك الاستثمار القومي في تمويل احتياجات تشغيلية وعجز النشاط الجاري للهيئة بدلًا من توجيهها للغرض الأصلي.

وشملت هذه المبالغ:


331 مليون جنيه خلال العام المالي 2023/2024.
128.25 مليون جنيه في العام المالي 2022/2023.
84.67 مليون جنيه في العام المالي 2021/2022.
109 ملايين جنيه في العام المالي 2020/2021.
290 مليون جنيه في العام المالي 2019/2020، بينها نحو 230 مليون جنيه خُصصت لشراء أربع سيارات إذاعة خارجية لتغطية بطولة كأس الأمم الأفريقية 2019.

 

وأشار الجهاز إلى أن هذه الإجراءات تخالف أحكام المادة (16) من التأشيرات العامة للاستخدامات الاستثمارية الملحقة بقانون خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 

فروق محاسبية في رأس المال


ولم تقتصر ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات على أوجه الإنفاق، إذ كشف أيضًا عن وجود فروق محاسبية بين القوائم المالية للهيئة وسجلات وزارة المالية فيما يتعلق بحصة الحكومة في رأس المال.

 

ووفقًا للتقرير، سجلت القوائم المالية للهيئة حصة حكومية تبلغ 16.01 مليار جنيه، بينما أثبتت دفاتر وزارة المالية قيمة تبلغ **14.4 مليار جنيه**، بفارق يصل إلى نحو **1.6 مليار جنيه.

 

وأشار التقرير إلى أن هذه الملاحظة تكررت خلال عدة أعوام مالية متتالية، داعيًا إلى تسوية الفروق المحاسبية وإجراء المطابقات اللازمة.