كشفت منشورات منسوبة إلى عاملين بمستشفى أم المصريين عن اتجاه وزارة الصحة لإغلاق المستشفى الحكومي في محافظة الجيزة مدة 3 سنوات لتنفيذ مشروع التطوير ما أثار قلق آلاف المرضى بشأن توقف خدمات الطوارئ والعلاج.

 

ويضع الغلق الكامل سكان الجيزة أمام أزمة صحية صنعتها حكومة توسع مشروعات البناء قبل إعلان ضمانات التشغيل البديل بينما يتحمل المرضى الفقراء وكبار السن كلفة الانتقال والانتظار وسط غياب جدول زمني منشور ومساءلة تنفيذية واضحة.

 

إغلاق يهدد المرضى

 

وفي البداية ارتبط مستشفى أم المصريين لعقود باحتياجات سكان أحياء الجيزة والمناطق المحيطة إذ يستقبل أعدادا كبيرة من الحالات اليومية ويقدم خدمات الطوارئ والعلاج الداخلي والعيادات بما يجعله مرفقا يصعب تعويضه بقرار إداري سريع.

 

ووفقا لشهادات متداولة بين الأهالي فإن قرب المستشفى من مناطقهم وسهولة الوصول إليه جعلاه الوجهة الأولى للحالات العاجلة خصوصا للمرضى الذين لا يملكون تكلفة الانتقال إلى منشآت أبعد أو الانتظار داخل أقسام مكتظة مسبقا.

 

وفي المقابل تحدثت منشورات منسوبة إلى عاملين بالمستشفى عن توقف العمل بالكامل خلال مدة التطوير بعدما كانت التوقعات السابقة تشير إلى استمرار بعض الخدمات بصورة جزئية وهو تحول لم تفسره وزارة الصحة ببيان تفصيلي موجه إلى المواطنين.

 

كما سبق أن نفى إعلاميون مقربون من السلطة في أبريل 2026 وجود اتجاه لإغلاق المستشفى أو نقله وأكدوا أن الأعمال تقتصر على التطوير لكن الحديث اللاحق عن الغلق الكامل أعاد الشكوك بشأن دقة الرسائل الحكومية وتوقيتها.

 

ومع ذلك لم تنشر الوزارة حتى الآن قرارا مفصلا يحدد تاريخ بدء الإغلاق ومدته الدقيقة والخدمات التي ستتوقف والجهات التي ستستقبل كل تخصص وهو نقص معلومات يضاعف القلق ولا يسمح للمرضى بترتيب احتياجاتهم العلاجية مسبقا.

 

وإزاء ذلك طالب مواطنون بإعلان جدول زمني واضح لمراحل التنفيذ وموعد إعادة التشغيل مع نشر تقارير دورية عن نسب الإنجاز والتأخيرات المحتملة حتى لا تتحول السنوات الثلاث المتداولة إلى مدة مفتوحة تضاف إلى سجل مشروعات صحية تعطلت طويلا.

 

وبحسب طلب إحاطة قدمه النائب هشام بدوي في يونيو 2026 فإن أعمال التطوير استمرت قرابة عامين مع بقاء الخدمة الطبية وهو ما يثير سؤالا مباشرا عن أسباب الانتقال الآن إلى مقترح الإغلاق الكامل بدلا من التطوير المرحلي.

 

ومن ناحية أخرى أكد عصام هلال وكيل اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس الشيوخ أن الإغلاق يستهدف تنفيذ تطوير شامل وليس وقف الخدمة نهائيا متعهدا بعودة المستشفى بإمكانات أكبر دون تقديم ضمانة محددة بشأن موعد الانتهاء الفعلي.

 

بدائل تحت ضغط

 

وفي السياق ذاته قالت التصريحات البرلمانية إن وزارة الصحة أعدت خطة لتحويل المرضى إلى مستشفيات بولاق الدكرور والعجوزة وإمبابة والحوامدية طوال فترة التطوير باعتبارها منشآت بديلة قادرة على تقديم الرعاية حتى إعادة افتتاح المستشفى.

 

وعلى صعيد البدائل استشهد هلال بتجربة تطوير مستشفى بولاق الدكرور مؤكدا أن التوسعات رفعت طاقته بعد إعادة افتتاحه لكن هذا الاستشهاد لم يتضمن أرقاما عن معدلات الإشغال الحالية أو عدد الحالات التي يمكن استقبالها يوميا.

 

وطبقا للبيانات الحكومية يضم مشروع أم المصريين بعد اكتماله 306 أسرة داخلية و87 سريرا للرعاية المركزة و10 حضانات و23 جهازا للغسيل الكلوي و12 غرفة عمليات و37 عيادة خارجية وهي طاقة تكشف ضخامة الخدمة المهددة بالتوقف.

 

غير أن توزيع مرضى منشأة بهذه السعة على 4 مستشفيات يحتاج خطة تشغيل منشورة تحدد أعداد الأسرة المتاحة وأطقم الطوارئ ووسائل الإحالة والنقل الطبي بينما اكتفت التصريحات العامة بالتأكيد أن المنشآت البديلة شهدت تطويرا خلال السنوات الأخيرة.

 

كذلك يواجه كبار السن ومرضى الغسيل الكلوي وأصحاب الأمراض المزمنة عبئا مضاعفا لأن تحويلهم إلى مواقع بعيدة يفرض رحلات أطول ونفقات إضافية وقد يقطع انتظام العلاج إذا لم تتوافر مواعيد مسبقة وسجلات طبية تنتقل بصورة منظمة.

 

وإضافة إلى ذلك قد تستقبل أقسام الطوارئ في المستشفيات البديلة زيادة مفاجئة من الحالات القادمة من أحياء جنوب الجيزة وهو ضغط يحتاج زيادة الأطباء والتمريض والأدوية وسيارات الإسعاف وليس مجرد توجيه المرضى إلى عناوين أخرى.

 

ومن ثم لا تكفي وعود رفع الكفاءة لتأكيد جاهزية البدائل لأن الحكم يتطلب نشر أرقام الإشغال والانتظار والطواقم في كل مستشفى قبل الإغلاق ثم متابعة الأداء يوميا وإعلان أي عجز حتى لا يدفع المرضى ثمن التخطيط الناقص.

 

وبالتوازي تبلغ المساحة الإجمالية لمشروع التطوير 17850 مترا مربعا وتصل مساحة المباني إلى 12000 متر مربع ويشمل المشروع 15 مبنى منها مبنى رئيسي جديد وآخر للعيادات مع رفع كفاءة 6 مبان قائمة.

 

وفي غضون ذلك تتضمن الأعمال تحديث شبكات المرافق والبنية الأساسية والأسوار والبوابات وتطوير الموقع العام وهي مكونات تبرر الحاجة إلى نطاق إنشائي واسع لكنها لا تعفي الحكومة من استمرار الحد الأدنى للخدمة أو توفير بديل مماثل فعليا.

 

موظفون بلا إجابات

 

أما العاملون بالمستشفى فقد عبر بعضهم عن القلق بشأن مستقبلهم الوظيفي خلال سنوات الإغلاق مؤكدين غياب معلومات رسمية تحدد أماكن عملهم وآلية توزيعهم ومدد ندبهم وحقوقهم المالية حتى انتهاء المشروع وعودة المنشأة إلى التشغيل.

 

وعلاوة على ذلك يرتبط نقل الأطباء والتمريض والفنيين بكفاءة الخطة البديلة لأن توزيع المرضى دون نقل أعداد كافية من مقدمي الخدمة سيزيد قوائم الانتظار ويترك المستشفيات المستقبلة أمام ضغط يفوق قدرتها البشرية مهما توسعت مبانيها وتجهيزاتها.

 

وفيما يتعلق بحقوق العاملين لم تعلن الوزارة قواعد تحمي الاستقرار الوظيفي أو تراعي المسافات بين مساكنهم ومقار العمل الجديدة كما لم توضح مصير الحوافز والنوبتجيات والتخصصات المرتبطة بأقسام قد لا تتوافر بالمستشفيات البديلة جميعها.

 

ونتيجة لذلك يتقاطع غموض أوضاع الموظفين مع مخاوف المرضى لأن الفريق الطبي الذي يعرف الحالات ويتابعها يمثل جزءا من استمرارية العلاج وأي تفكيك غير منظم لهذا الفريق قد يبدد الخبرة المتراكمة ويعطل المتابعة بعد التحويل.

 

وبناء على ذلك تحتاج وزارة الصحة إلى نشر قرار تنفيذي موحد يحدد مسار كل خدمة وكل مريض وكل عامل مع أرقام اتصال معلنة وآلية شكاوى سريعة بدلا من ترك المعلومات لمنشورات العاملين وتصريحات النواب والرسائل الإعلامية المتعارضة.

 

وفي مرحلة لاحقة يجب أن تتضمن المتابعة تقارير شهرية عن نسب التنفيذ والمبالغ المنفقة والتعديلات الهندسية وأسباب أي تأخير مع تحديد مسؤول إداري يمكن مساءلته لأن وصف المشروع بالنقلة النوعية لا يضمن وحده الالتزام بالوقت والجودة.

 

ولضمان عدم تقليص الخدمات ينبغي إعلان الطاقة التي ستعود بعد التطوير ومقارنتها بالخدمة السابقة وقياس عدد المستفيدين فعليا بعد الافتتاح فلا قيمة لمبان حديثة إذا طالت مدة الغلق أو انخفضت القدرة على استقبال الفقراء والحالات الطارئة.

 

وأخيرا يكشف ملف أم المصريين أزمة إدارة تتكرر حين تعلن الحكومة مشروعا ضخما قبل تقديم تفاصيل الانتقال والحماية الاجتماعية فالمرضى والعاملون لا يعارضون التطوير لكنهم يرفضون دفع كلفته من صحتهم ووظائفهم وانتظارهم طوال 3 سنوات مجهولة الضمانات.