بغي للمفتي المعاصر أن يخاطب الناس بلغة واضحة قريبة من أفهامهم، بعيدًا عن وعورة المصطلحات وغرابة الألفاظ، فلا تقتصر معرفته بلغة العصر على مفرداته، بل تشمل طرائق تفكير الناس وأساليب فهمهم وما يشغل عقولهم. وقد جاء عن الإمام علي رضي الله عنه: «حدِّثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله؟!». وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾.

 

وبحسب الدكتور يوسف القرضاوي لا يكتمل خطاب الفتوى بمجرد إعلان الحلال والحرام، بل ينبغي أن يجمع بين صحة الحكم، ووضوح الدليل، وبيان الحكمة والمقصد بقدر ما يستطيع المفتي. فالناس اليوم يكثر بينهم السؤال والشك، ويريدون معرفة مأخذ الحكم ومغزاه، وبيان ذلك يزيل الحرج، ويبدد الريبة، ويزيد المؤمن إيمانًا؛ مع التأكيد أن المسلم يطيع الله وإن خفيت عليه الحكمة، فيقول عند الأمر: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، وعند الخبر: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا﴾.

 

خطاب العقل لا المبالغة

 

تحتاج لغة العصر إلى مخاطبة العقول بالحجة والمنطق، لا إلى الاكتفاء بإثارة العواطف أو استخدام المبالغات. فمعجزة الإسلام الكبرى هي القرآن الكريم، وهي معجزة تخاطب العقل، وتدعو إلى النظر والتفكر والتدبر.

 

وقد شهدت رسالة الإسلام من الخوارق ما أكرم الله به نبيه ﷺ، إلا أن القرآن بقي الحجة الكبرى المتجددة، متحديًا الإنسان بعلمه وبيانه وهدايته. ولم يعرف الناس دينًا يرفع منزلة العقل والعلم، ويدعو إلى التفكير، كما فعل الإسلام.

 

لذلك يجب على المفتي أن يقدم الحكم في صورة تقنع العقل، وتطمئن القلب، وتكشف عن انسجام الشريعة وعدلها ورحمتها، من غير تهويل ولا ترهيب مبالغ فيه، ولا ادعاء ما لا يقوم عليه دليل.

 

سهولة تحفظ هيبة العلم

 

ليس من العلم أن يتكلف المفتي العبارات الغامضة، أو يتقعر في الألفاظ والأساليب، وإنما العلم الحق أن يستطيع تقريب المعاني الدقيقة إلى الناس بلغة سهلة مألوفة، من غير إخلال بالحكم أو تسطيح للمسألة.

 

وقد يحتاج المفتي أحيانًا إلى استعمال لفظ دارج أو مثل شائع لتوضيح المعنى، لأن جمهوره ليس على مستوى واحد؛ فمنهم الأستاذ والطالب، والتاجر والعامل، والمتخصص وغير المتخصص. وكل هؤلاء لهم حق في أن يفهموا خطاب الدين فهمًا صحيحًا.

 

والتوازن هنا ضرورة: فلا يرتفع المفتي بأسلوبه حتى لا يفهمه إلا الخواص، فيفقد عامة الناس، ولا يهبط بلغته حتى ينصرف عنه أهل العلم والفكر. وإنما يجعل غايته إرضاء الخاصة بالدقة، وإفهام العامة بالوضوح، جامعًا بين قوة المعنى وسهولة العبارة.

 

الحكم مقرون بحكمته

 

من أهم سمات الفتوى المؤثرة أن يُذكر الحكم مقرونًا بحكمته وعلته، وأن يُربط بالفلسفة العامة للإسلام ومقاصده الكبرى. وهذه ليست استجابة لضغط العصر فحسب، بل هي طريقة أصيلة دل عليها القرآن الكريم والسنة النبوية.

 

فعندما سأل المسلمون عن المحيض، لم يذكر القرآن الحكم وحده، بل قدم علته، فقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.

 

فبيّن أن المحيض أذى، ثم رتب على ذلك حكم الاعتزال، حتى يُفهم أن التشريع قائم على حفظ الإنسان ودفع الضرر عنه.

 

عدالة توزيع المال

 

وعند بيان مصارف الفيء، ذكر القرآن الفئات المستحقة له، ومنها اليتامى والمساكين وابن السبيل، ثم أوضح الحكمة الاجتماعية والاقتصادية من ذلك، فقال تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾.

 

فالمال لا ينبغي أن يظل متداولًا بين طبقة الأغنياء وحدها، بينما تُحرم منه بقية طبقات المجتمع. إن احتكار الثروة وتكدسها في أيدي القلة مصدر لكثير من الظلم والاضطراب، ومن أبرز سمات الرأسمالية الطاغية التي تجعل المال حكرًا على فئة محدودة.

 

وهكذا يكشف التشريع الإسلامي عن مقصد اجتماعي واضح: تحقيق التوازن، ومنع احتكار الثروة، وإيصال الحقوق إلى الفقراء والمحتاجين.

 

مقاصد العبادات

 

حتى العبادات الشعائرية لم يعرضها القرآن باعتبارها أوامر مجردة من المقاصد، بل قرنها بآثار عظيمة تقبلها الفطرة السليمة والعقول الرشيدة.

 

ففي الصلاة يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾.

 

فالصلاة ليست حركات يؤديها الإنسان بجسده فحسب، بل عبادة تهذب السلوك، وتردع صاحبها عن الفحشاء والمنكر.

 

وفي الصيام يقول تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

 

فغاية الصيام تربية التقوى، وتقوية الإرادة، وتعويد النفس على مراقبة الله وكبح الشهوات.

 

وفي الزكاة يقول تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾.

 

فالزكاة تطهر النفس من الشح، وتزكي المال وصاحبه، وتحقق التكافل بين أفراد المجتمع.

 

وفي الحج يقول سبحانه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾.

 

فالحج يجمع بين ذكر الله وشهود المنافع الدينية والدنيوية، ويؤكد وحدة المسلمين وتعارفهم وتعاونهم.

 

هدي النبي في الإفتاء

 

من تأمل فتاوى النبي ﷺ وجدها كثيرًا ما تجمع بين الحكم وحكمته، وتشرح وجه مشروعيته بالمثال والمقارنة.

 

فقد جاء عمر رضي الله عنه إلى النبي ﷺ منزعجًا لأنه قبّل زوجته وهو صائم، فقال له النبي ﷺ: «أرأيت لو تمضمضت ثم مججته، أكان يضر شيئًا؟» قال: لا.

 

نبّه النبي ﷺ بهذا المثال إلى أن مقدمة المحظور لا يلزم أن تكون محرمة دائمًا. فالقبلة قد تكون مقدمة للجماع، ولكن لا يلزم من تحريم الجماع في الصيام تحريم كل مقدمة له، كما أن وضع الماء في الفم مقدمة لشربه، ولا يكون محرمًا إذا لفظه الصائم ولم يبتلعه.

 

وهذا نموذج نبوي في تقريب الحكم إلى العقل بمثال واضح يدركه السائل، بدل الاكتفاء بإلقاء الحكم مجردًا.

 

حماية صلة الأرحام

 

قال النبي ﷺ: «لا تُنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها، ولا على ابنة أختها؛ فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم».

 

لم يذكر النبي ﷺ حكم التحريم وحده، بل نبّه إلى حكمته، وهي حماية صلة الرحم من القطيعة والعداوة التي قد تنتج عن الاحتكاك والغيرة بين الضرائر. فالشريعة لا تنظر إلى العقد وحده، بل تراعي آثاره النفسية والأسرية والاجتماعية، وتحفظ العلاقات التي أمر الله بوصلها.

 

العدل بين الأبناء

 

ومن ذلك أن بشير بن سعد رضي الله عنه خص بعض أولاده بعطية دون الآخرين، فقال له النبي ﷺ: «أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟» قال: نعم، فقال ﷺ: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم».

 

ربط النبي ﷺ بين عدل الأب مع أولاده وبين رغبته في أن يكونوا متساوين في بره. فمن أراد منهم برًا متساويًا، فعليه أن يعاملهم بالعدل، وألا يزرع بينهم بذور الغيرة والكراهية بسبب التفضيل في العطايا من غير مسوغ معتبر.

 

وهذا الأسلوب النبوي يوقظ الضمير، ويجعل الإنسان ينظر إلى نتيجة فعله قبل الإقدام عليه.

 

بيان يزيل الشك

 

يكثر في عصرنا الشاكون والمشككون، ولم يعد كثير من الناس يقبلون الحكم من غير أن يعرفوا مأخذه ومغزاه وحكمته، ولا سيما في الأحكام التي لا تدخل في باب التعبد المحض.

 

لذلك ينبغي للمفتي أن يعرف طبيعة عصره، وأن يفهم أسئلة الناس وما يعترض نفوسهم من حرج، ثم يبين لهم حكمة الله في تشريعه بقدر ما يظهر له من الأدلة والمقاصد. فإذا اتضح لهم عدل الحكم ورحمته ومصلحته، تقبلوه راضين منشرحين؛ فمن كان مرتابًا ذهب ريبه، ومن كان مؤمنًا ازداد إيمانًا.

 

الطاعة ولو خفيت الحكمة

 

بيان الحكمة لا يعني أن صحة الحكم متوقفة على معرفة الناس بعلته، فقول الله تعالى وقول رسوله ﷺ حجة بنفسه، وإن لم ندرك له علة معينة. ومن حق الله تعالى، بحكم ربوبيته وعبودية الخلق له، أن يكلف عباده بما شاء؛ فهو وحده له الخلق والأمر.

 

وعلى المؤمن أن يطيع الله فيما أمر، وأن يصدقه فيما أخبر، وإن لم يدرك علة الأمر أو حقيقة الخبر. وفي مقام التكليف يقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.

 

وفي مقام الخبر والإيمان بالغيب يقول: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا﴾.

 

فالعقل يبحث ويتأمل، لكنه لا يجعل إدراكه المحدود حاكمًا على حكمة الله المطلقة.

 

حكمة ندرك بعضها

 

إن الله تعالى لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء إلا لحكمة؛ فهو لم يشرع ما شرع عبثًا، كما لم يخلق ما خلق باطلًا. وهذه حقيقة ثابتة ينبغي أن يطمئن إليها المؤمن.

 

لكن الإنسان ليس قادرًا دائمًا على إدراك حكمة الله بالتفصيل؛ فقد تظهر له بعض الحكم وتخفى عليه أخرى، وقد تتكشف مقاصد التشريع بمرور الزمن، بينما يظل بعضها داخلًا في علم الله الذي لا يحيط به البشر.

 

وهذا من مقتضيات الابتلاء الذي قام عليه التكليف، بل قامت عليه حياة الإنسان كلها، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾.

 

فواجب المفتي أن يبين الحكم ودليله وحكمته بلغة عصره، وواجب المؤمن أن يستمع بعقل واعٍ وقلب مطمئن، وأن يجمع بين التفكر والتسليم، وبين فهم المقاصد وصدق العبودية لله رب العالمين.