سجلت بيانات البورصة المصرية صافي بيع للعرب والأجانب بقيمة 475.3 مليون دولار في السوق الثانوية للدين الحكومي بالقاهرة خلال تعاملات الخميس، ليتواصل نزوح الأموال الساخنة لليوم الثاني وتتجدد الضغوط على استقرار السوق والجنيه.

 

وتكشف هذه الحركة سياسيا وإنسانيا ثمن ربط حكومة السيسي العملة وأوضاع المواطنين بأموال مضاربة سريعة الهرب، إذ يتحول قرار مستثمر أجنبي إلى موجة غلاء جديدة يدفع ثمنها الفقراء من الغذاء والدواء والأجور.

 

وبينما تتباهى السلطة بتقلب سعر الدولار، تكشف الأرقام 3 محاور متلازمة، نزوح سريع لرؤوس الأموال، وارتهان متزايد لأدوات الدين، وتذبذب للجنيه لا يستند إلى إنتاج أو صادرات أو قوة شرائية حقيقية.

 

 

عاصفة الأموال الساخنة

 

وبحسب الدكتور مراد علي، يجمع التخارج بين ضغوط هيكلية وصدمات إقليمية تشكل عاصفة كاملة، لأن أي توتر ينتقل فورا من قرارات المستثمرين إلى الدولار والأسعار والتمويل وتكاليف المعيشة التي يتحملها المواطن.

 

فقد سجلت تعاملات الأربعاء صافي خروج بقيمة 191.5 مليون دولار، بعد دخول 149 مليونا يوم الثلاثاء، لتتحول السوق خلال 24 ساعة من استقبال السيولة إلى فقدانها تحت تأثير المخاوف الإقليمية.

 

وقبل ذلك خرج 893 مليون دولار يوم الاثنين، وباحتساب الجلسات 4 من الاثنين إلى الخميس بلغ صافي النزوح 1.4108 مليار دولار، بما يكشف تقلبا حادا لا يشبه تدفقات الاستثمار طويل الأجل.

 

في المقابل سجل يونيو صافي شراء للعرب والأجانب قدره 8.76 مليار دولار في السوق الثانوية للدين الحكومي، وهو رقم ضخم سرعان ما اصطدم بقدرة المستثمرين على تغيير اتجاههم خلال أيام.

 

وعلى امتداد الربع الثاني بلغت التدفقات الصافية 11.66 مليار دولار، مقابل نحو 11.6 مليار منذ بداية 2026، ما يعني أن الجزء الأكبر من تدفقات العام تركز خلال فترة قصيرة قابلة للانعكاس.

 

لهذا لا تمثل حصيلة الشراء الكبيرة شهادة ثقة دائمة كما تروج الحكومة، بل تعكس جاذبية العائد المرتفع وإمكان الخروج السريع، وهي معادلة تمنح المستثمر الأجنبي الأمان وتحمل الخزانة المصرية المخاطر.

 

ومع تجدد التوترات في المنطقة يتحول الخوف الجيوسياسي إلى أوامر بيع فورية، لأن أصحاب المحافظ لا يبنون مصانع ولا يشغلون عمالا، وإنما يطاردون العائد ثم ينتقلون إلى سوق أكثر أمنا.

 

وبالنتيجة تصل الصدمة إلى المواطن عبر ارتفاع الطلب على الدولار وكلفة الاستيراد، فتزداد أسعار الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج، بينما تبقى أرباح المضاربين محمية ويطلب من المصريين تحمل تقشف جديد ومؤلم.

 

 

فوائد تبتلع الموازنة

 

ووفقا لخبير التمويل والاستثمار وائل النحاس، يرتبط بعض الخروج بجني الأرباح وانتهاء استحقاقات أدوات الدين الحكومية المصرية، لكن الحرب وارتفاع المخاطر يدفعان مستثمرين إلى عدم التجديد وتحويل حصيلتهم إلى الدولار.

 

ومن جهة ثانية يزيد اعتماد الحكومة على أذون وسندات قصيرة الأجل هشاشة التمويل، لأن الدولة تضطر إلى طرح ديون جديدة لسداد القديمة، مع تقديم فوائد مرتفعة تستنزف الموازنة وتزاحم الإنفاق الاجتماعي.

 

علاوة على ذلك لا تتحول معظم هذه التدفقات إلى مصانع أو صادرات توفر عملة صعبة، بل تستخدم لسد فجوات عاجلة وتمويل عجز الموازنة، فتغادر البلاد من دون ترك أصول إنتاجية تعوض كلفتها.

 

وعندما يقرر المستثمر الخروج يبيع أداة الدين ويطلب الدولار، فتنتقل المشكلة مباشرة إلى سوق الصرف، ويصبح البنك المركزي مطالبا بتوفير العملة الصعبة في توقيت تتزايد فيه التزامات الديون والواردات المتزايدة.

 

وفوق ذلك ترفع سياسة جذب الأموال الساخنة كلفة اقتراض الحكومة والقطاع الخاص معا، إذ تبتلع الفوائد موارد كان يمكن توجيهها للصحة والتعليم والاستثمار، وتغلق أبواب التمويل أمام المشروعات المنتجة وفرص العمل.

 

وبناء على ذلك يجمع المستثمر الأجنبي بين عائد الفائدة المرتفع ومكسب تحسن الجنيه عند الخروج، بينما تتحمل الدولة فارق العملة وكلفة الدين، ولا يحصل المواطن على انخفاض مماثل في الأسعار أو تحسن الأجور.

 

أما الحكومة فتقدم دخول هذه الأموال دليلا على الثقة بالاقتصاد، وتتجاهل أنها ثقة مشروطة بأعلى عائد وأسرع خروج، وأن المستثمر نفسه يستطيع تحويلها إلى أزمة سيولة عند أول إشارة خطر.

 

ومن ثم يكشف التذبذب أن نموذج التمويل لا يعالج نقص الدولار بل يؤجله، لأن كل تدفق يخلق التزاما لاحقا أكبر، فيما تتراجع الصناعة والزراعة والتصدير أمام اقتصاد يعيش على الاقتراض وإعادة تدوير الديون.

 

 

الجنيه بين الأرقام والأسعار

 

أمام هذا المشهد تؤكد خبيرة التخطيط الاستراتيجي والاقتصاد الدكتورة سالي صلاح أن قوة الجنيه لا تقاس بحركة قصيرة أمام الدولار، بل بالقوة الشرائية والإنتاج والصادرات وقدرة المواطن على شراء احتياجاته الأساسية.

 

فعند إغلاق الخميس سجل بنك نكست أعلى سعر للدولار عند 50.58 جنيه للشراء و50.68 للبيع، بينما قدم بنكا الإمارات دبي الوطني وفيصل الإسلامي أقل سعر عند 50.40 للشراء و50.50 للبيع.

 

ويسجل عدد واسع من البنوك سعرا موحدا تقريبا عند 50.50 جنيه للشراء و50.60 للبيع، في حين حدد البنك المركزي السعر عند 50.48 للشراء و50.62 للبيع، بما يعكس نطاقا ضيقا للحركة.

 

ورغم تراجع الدولار لليوم الثاني بعد ارتفاعات مطلع الأسبوع، لا تكفي جلستان متتاليتان لإعلان تعافي الجنيه، خصوصا أن التدفقات نفسها تحولت بين الشراء والبيع مرات متعددة خلال 4 أيام فقط.

 

وعمليا لا يشعر المواطن بتحسن العملة المحدود ما دامت أسعار السلع والخدمات لا تنخفض، لأن التضخم المتراكم وتكاليف الوقود والاستيراد والضرائب تلتهم أي مكسب محدود يسجله الجنيه داخل شاشات البنوك.

 

كذلك تكشف قراءة سالي صلاح أن المستفيد الأكبر من هبوط الدولار المؤقت قد يكون المستثمر الأجنبي، إذ يخرج بعائد الفائدة وفارق العملة، بينما تبقى القوة الشرائية للمصريين عند مستوياتها المنهكة.

 

لذلك يتطلب إنقاذ الجنيه زيادة الإنتاج والصادرات وتقليص العجز التجاري وإعادة هيكلة الديون وتوسيع مصادر الدولار المستقرة الحقيقية، لا مواصلة مطاردة الأموال الساخنة بفوائد مرتفعة تنقل الأرباح للخارج والخسائر للمواطن.

 

وأخيرا يفضح خروج 666.8 مليون دولار خلال يومين حدود رواية التعافي، فالسوق التي تهتز بقرار مضارب لا تحمي عملتها، والاقتصاد الذي يقترض ليخدم ديونه يراكم أزمة جديدة فوق معيشة المصريين.