صوّت المجمع العام لكنيسة إنجلترا بأغلبية ساحقة لصالح قرار يؤكد التضامن مع المسيحيين الفلسطينيين والشعب الفلسطيني، ويدعو إلى الإنصات لشهاداتهم بشأن الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في قرار يعكس تحولًا لافتًا داخل أكبر مؤسسة كنسية في بريطانيا بشأن الحرب في قطاع غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية.

 

وجاء التصويت خلال اجتماعات المجمع العام المنعقدة بمدينة يورك البريطانية، حيث أيّد القرار 253 عضوًا مقابل 47 عضوًا عارضوه، بعد نقاشات مكثفة استمرت يومين وشهدت انقسامًا واسعًا داخل الكنيسة، إلى جانب اعتراضات من قيادات يهودية بريطانية اعتبرت أن الوثيقة المطروحة تحمل توصيفات مثيرة للجدل بشأن الحرب في غزة.

 

تصويت بعد أربع سنوات من التأجيل

 

يمثل القرار تحولًا مهمًا بعدما ظل الملف مؤجلًا لعدة سنوات، إذ وافق المجمع العام على إظهار التضامن مع المسيحيين الفلسطينيين، والاستماع إلى الوثيقة الصادرة عن حركة "كايروس فلسطين"، التي تحمل عنوان "لحظة الحقيقة.. الإيمان في زمن الإبادة الجماعية"، والتي صدرت عام 2025.

 

وتعد الوثيقة نداءً لاهوتيًا وسياسيًا أعده مسيحيون فلسطينيون، يدعو الكنائس حول العالم إلى الوقوف بجانب الفلسطينيين في ظل الحرب المستمرة على قطاع غزة، كما تتضمن توصيفًا للحرب بأنها تمثل "إبادة جماعية"، وهو الوصف الذي أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والدينية البريطانية.

 

تعديل الصياغة لتجنب اعتبارها تبنيًا رسميًا

 

ورغم موافقة المجمع على المقترح، فإن المناقشات انتهت إلى تعديل مهم في صياغة القرار، إذ جرى استبدال كلمة "اعتماد" الوثيقة بكلمة "الاستماع" إليها، في محاولة للتأكيد على أن الكنيسة تنصت إلى شهادات المسيحيين الفلسطينيين ومعاناتهم، دون أن يعني ذلك تبنيًا رسميًا لجميع ما ورد في الوثيقة من توصيفات سياسية أو قانونية.

 

وأكد عدد من الأساقفة أن التعديل يعكس رغبة الكنيسة في الإصغاء إلى أصوات الفلسطينيين، مع الحفاظ على استقلالية موقفها الرسمي تجاه العبارات الواردة في الوثيقة.

 

تفاصيل التصويت داخل الهيئات الثلاث

 

جاءت نتيجة التصويت متقاربة في الهيئات الثلاث التي يتكون منها المجمع العام لكنيسة إنجلترا، لكنها أظهرت تأييدًا واضحًا للمقترح.

 

ففي مجلس الأساقفة، صوّت 25 أسقفًا لصالح القرار، بينما لم يعارضه أي أسقف، مع امتناع خمسة عن التصويت.

 

أما مجلس رجال الدين، فقد أيد المقترح 115 عضوًا، مقابل 20 صوتًا معارضًا، وامتناع 30 عضوًا.

 

وفي مجلس الرعية، حصل القرار على تأييد 113 عضوًا، مقابل رفض 27 عضوًا، بينما امتنع 35 عن التصويت.

 

وتؤكد هذه النتائج وجود أغلبية مريحة داخل مختلف مكونات الكنيسة لصالح إظهار التضامن مع الفلسطينيين.

 

دعوات لسحب الاستثمارات المرتبطة بالاحتلال

 

وشهدت المناقشات أيضًا مطالبات بتبني سياسات استثمارية أكثر مسؤولية، تقوم على مراجعة الاستثمارات المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية والأنشطة المرتبطة بالاحتلال، استنادًا إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024 بشأن عدم شرعية الاحتلال والاستيطان في الأراضي الفلسطينية.

 

كما دعا عدد من أعضاء المجمع الحكومة البريطانية إلى اتخاذ خطوات أكثر فاعلية تجاه إنهاء الاحتلال، والالتزام بالقانون الدولي، وعدم دعم أي ممارسات تتعارض مع قرارات الشرعية الدولية.

 

اعتراضات يهودية وتحذيرات من تأثير القرار

 

وقبيل التصويت، وجّه الحاخام الأكبر في المملكة المتحدة، السير إفرايم ميرفيس، رسالة إلى أعضاء المجمع دعاهم فيها إلى رفض الوثيقة، معتبرًا أنها تستخدم لغة وصفها بـ"المتطرفة"، وقد تؤثر سلبًا في العلاقات التاريخية بين الكنيسة والمجتمع اليهودي.

 

كما أصدر مجلس نواب اليهود البريطانيين مذكرة أكد فيها دعمه للتضامن مع المدنيين الفلسطينيين، لكنه اعتبر أن الوثيقة تتضمن رواية أحادية الجانب، ودعا الكنيسة إلى الاستماع أيضًا إلى وجهات النظر الإسرائيلية واليهودية.

 

ورأى المعترضون أن اعتماد الوثيقة أو الإشارة إليها قد ينعكس على جهود الحوار بين الأديان، ويؤدي إلى زيادة الاستقطاب داخل المجتمع البريطاني.

 

قيادات كنسية: التضامن لا يعني تبني كل ما ورد في الوثيقة

 

في المقابل، شددت قيادات كنسية بارزة على أن التصويت لا يمثل موافقة كاملة على جميع مضامين الوثيقة، وإنما يعكس رغبة الكنيسة في الإنصات إلى معاناة المسيحيين الفلسطينيين.

 

وأكدت رئيسة الأساقفة مولالي، التي زارت الأراضي المقدسة مؤخرًا، أن الفلسطينيين والإسرائيليين يعيشون حالة من الخوف والمعاناة، موضحة أن الاستماع إلى شهادات الفلسطينيين لا يتعارض مع رفض معاداة السامية أو الدفاع عن كرامة جميع البشر.

 

كما أكدت أسقفة جلوسيستر راشيل تريويك أن تجاهل الوثيقة كان سيبعث برسالة سلبية إلى المسيحيين الفلسطينيين الذين يشعرون بالعزلة، بينما دعا أسقف ساوثوارك كريستوفر تشيسون إلى الاعتراف بمعاناتهم بصورة واضحة وعدم الاكتفاء بسماع رواياتهم.

 

أصوات معارضة داخل الكنيسة

 

في المقابل، أبدى أسقف بلاكبيرن فيليب نورث تحفظاته على القرار، معتبرًا أن الكنيسة تواجه معادلة صعبة بين دعم المسيحيين الفلسطينيين والحفاظ على العلاقات مع الجالية اليهودية في بريطانيا.

 

وأشار إلى أن الأحداث الأخيرة داخل المملكة المتحدة، بما فيها حوادث معاداة السامية، تجعل من الضروري الحفاظ على التوازن في الخطاب الكنسي، محذرًا من تداعيات أي خطوات قد تُفهم باعتبارها انحيازًا لطرف دون آخر.

 

القس فادي دياب: إسكات الوثيقة يعني إسكات المسيحيين الفلسطينيين

 

من جانبه، اعتبر القس فادي دياب، أحد المشاركين في إعداد وثيقة "كايروس 2"، أن الدعوات إلى تجاهل الوثيقة تعني عمليًا تجاهل صوت المسيحيين الفلسطينيين الذين عاشوا لعقود في ظل الاحتلال، مؤكدًا أن شهاداتهم تمثل جزءًا أساسيًا من الواقع الذي تعيشه الأراضي الفلسطينية.

 

كما أشار إلى أن لبريطانيا مسؤولية تاريخية تجاه القضية الفلسطينية، داعيًا إلى دور أكثر فاعلية في دعم الحقوق الفلسطينية وإنهاء الاحتلال.