باع جهاز تنمية مدينة حدائق العاصمة الجديدة 6 محلات وصيدلية وورشتين وكافتيريتين بحيي الأمل والزهور، خلال مزاد علني انتهى بتحصيل 51.5 مليون جنيه، بعدما بلغ سعر المتر التجاري 285 ألف جنيه.

 

ويفضح المزاد سياسة عمرانية تتعامل مع حق السكان في الدواء والغذاء والصيانة بوصفه فرصة لتعظيم الإيرادات، بينما يتحول المواطن محدود الدخل إلى ممول نهائي لصفقات حكومية يصفها الجهاز بالنجاح والثقة الاستثمارية.

 

وبالتالي، فإن بيع جميع الوحدات لا يثبت نجاح المدينة بقدر ما يكشف حجم الندرة التي صنعتها الحكومة، إذ يتنافس أصحاب الأموال على مواقع محدودة لخدمات يحتاجها آلاف السكان ولا يستطيعون الاستغناء عنها.

 

كما أن ارتفاع سعر المتر في مدينة لا تزال تستكمل خدماتها يعني أن الدولة سبقت السكان إلى المضاربة، فبدل توفير محلات ميسرة لصغار التجار باعت الأرض لمن يدفع أكثر ثم ترك المواطن يواجه الأسعار.

 

ولزيادة وضوح الأزمة، تراوحت مساحات الوحدات بين 9 و40 مترًا، ما يجعل قيمة محل لا تتجاوز مساحته غرفة صغيرة عدة ملايين من الجنيهات قبل إضافة تكاليف التشطيب والتراخيص والتشغيل والضرائب.

 

 

الخدمات لمن يدفع

 

لذلك، سيضطر صاحب السوبر ماركت أو المطعم الشعبي إلى استرداد ثمن الوحدة الباهظ من جيوب الزبائن، لأن المستثمر لن يتحمل وحده ملايين الترسية بل سيحولها تدريجيًا إلى زيادات في الأسعار.

 

ومن ثم، يصبح المتر الذي بيع بـ285 ألف جنيه ضريبة غير معلنة على كل أسرة تسكن المدينة، إذ تدخل كلفته في سعر الطعام والدواء والحلاقة والصيانة والمشروبات والخدمات اليومية المختلفة.

 

غير أن جهاز المدينة احتفى بالحصيلة باعتبارها دليلًا على تنامي الثقة، متجاهلًا أن المزاد يقيس قدرة المستثمرين على الدفع ولا يقيس جودة الخدمات أو عدالتها أو قدرة السكان على تحمل أسعارها.

 

علاوة على ذلك، بلغ سعر متر الصيدلية 250 ألف جنيه، بما يحول خدمة صحية أساسية إلى أصل عقاري شديد الكلفة، ويضع صاحبها منذ اليوم الأول تحت ضغط تعويض الملايين المدفوعة.

 

وبناءً على ذلك، لا يكفي القول إن أسعار الدواء محددة رسميًا، لأن الصيدلية تستطيع تعويض التكلفة عبر مستحضرات التجميل والمنتجات غير الدوائية والخدمات الأعلى ربحًا، بينما يتراجع البعد الاجتماعي للنشاط الصحي.

 

وفي السياق نفسه، تراوح متر الورش ومراكز الصيانة بين 131 و165 ألف جنيه، وهي أسعار تدفع الحرفي الصغير خارج المنافسة وتحول نشاط إصلاح الأحذية أو الإطارات إلى استثمار لا يقدر عليه إلا أصحاب رؤوس الأموال.

 

وعلى الجانب الآخر، يشير الخبير الاقتصادي فرج عبد الله إلى أن المدن الجديدة تستطيع دعم النمو والتشغيل عبر ارتباط البناء بقطاعات متعددة، لكن هذا الأثر يتطلب أنشطة اقتصادية مستدامة وفرص عمل حقيقية.

 

وهنا، تكشف أرقام المزاد أن الجهاز ركز على بيع المواقع بأقصى سعر، لا على تمكين الحرفيين أو خلق فرص منخفضة التكلفة، بما يفرغ الحديث عن التشغيل والتنمية من مضمونه الاجتماعي.

 

المزاد يطرد الصغار

 

فوق ذلك، فإن اعتماد المزايدة السعرية وحدها معيارًا للفوز يمنح الأصول العامة للأكثر ثراءً، حتى لو كان المتقدم الأصغر أكثر خبرة وأقدر على تقديم خدمة يحتاجها الحي بأسعار معقولة.

 

وعليه، تتحول الدولة من جهة تخطط لتوازن المدينة إلى تاجر أراضٍ يبحث عن أعلى حصيلة، بينما يصبح صغار المستثمرين مضطرين للاستئجار من الفائزين أو العمل لحسابهم بدل امتلاك مشروعاتهم.

 

ومع هذا، لم يعلن الجهاز ضمن بيان الاحتفال تفاصيل هوية المشترين أو خطط التشغيل أو مواعيد افتتاح الأنشطة، ولم يوضح الضوابط التي تمنع إعادة البيع أو ترك الوحدات مغلقة انتظارًا لارتفاع الأسعار.

 

إضافة إلى ذلك، تسمح ندرة المحلات في الأحياء الجديدة للفائزين بامتلاك قوة احتكارية محلية، خصوصًا عندما لا يجد السكان بدائل قريبة، فيصبح ارتفاع سعر الترسية مقدمة لارتفاع الأسعار وضعف المنافسة.

 

ومن ناحية أخرى، يرى الباحث العمراني يحيى شوكت أن بناء المدن الجديدة دون دراسات اجتماعية واقتصادية كافية يحولها إلى مشروعات عقارية، مشيرًا إلى وجود أعداد ضخمة من الوحدات غير المسكونة رغم استمرار التوسع.

 

وبتطبيق هذا التحذير، يظهر أن نجاح حدائق العاصمة لا يقاس بعدد المباني أو حصيلة المزاد، بل بقدرتها على خلق مجتمع متكامل يجد فيه السكان العمل والنقل والخدمات بأسعار تناسب دخولهم.

 

ثم إن بيع محل مساحته محدودة بملايين الجنيهات يهدد بتحويل الأنشطة من خدمات فعلية إلى مخازن للقيمة، حيث يشتري المستثمر الوحدة انتظارًا لارتفاع ثمنها بدل تشغيلها وتوظيف العمال داخلها.

 

وبالمقابل، كان يمكن للجهاز طرح الوحدات بنظام الإيجار طويل الأجل مع شروط تشغيل واضحة وأولوية لأبناء المدينة، بما يحافظ على ملكية الأصل العام ويخفض تكلفة دخول الشباب إلى السوق.

 

 

مدينة للعقار لا للناس

 

أما الإعلان عن برنامج موسع لمزادات جديدة، فيعني أن السياسة لن تتوقف عند هذه الجلسة، وأن هيئة المجتمعات العمرانية ترى بيع المحلات والخدمات وسيلة دورية لجمع الأموال لا استثناءً مؤقتًا.

 

وفي المقابل، لا يكشف الرقم المحصل عما ستفعله الدولة بـ51.5 مليون جنيه، ولا مقدار ما سيعود منها إلى الحي في صورة مواصلات ومدارس وعيادات ومساحات عامة وخدمات تحسن حياة السكان.

 

كذلك، يحذر الخبير العمراني ديفيد سيمز من تشوهات التوسع الصحراوي والمشروعات الكبرى والمضاربة العقارية في مصر، ويربط سياسات المدن الجديدة بتوجيه مساحات وموارد ضخمة إلى العقار بدل الاحتياجات الحضرية الفعلية.

 

وبصورة أوسع، يعكس مزاد حدائق العاصمة هذا التشوه بدقة، فالأرض العامة أصبحت أداة مالية، والخدمة تحولت إلى سلعة عقارية، والمواطن أصبح مجرد طلب مضمون يسمح برفع سعر الوحدة إلى أقصى حد.

 

وفي الوقت ذاته، لا يستطيع السكان رفض شراء احتياجاتهم من هذه الأنشطة، ما يجعلهم الطرف الأضعف في المعادلة، لأن المستثمر دفع الثمن للجهاز ثم يمتلك لاحقًا فرصة استرداده منهم بصورة يومية.

 

وأخيرًا، فإن وصف المزاد بالنجاح يخفي فشلًا اجتماعيًا واضحًا، فالدولة ربحت 51.5 مليون جنيه مرة واحدة، لكنها أسست لخدمات مرتفعة التكلفة قد يدفع السكان ثمنها طوال سنوات.

 

وفي المحصلة، تحتاج حدائق العاصمة إلى محلات وصيدليات وورش تخدم الناس لا إلى مزادات تستعرض أسعارًا قياسية، وإلا ستتحول المدينة الجديدة إلى مشروع عقاري للأغنياء تحيط به مساكن بلا عدالة اقتصادية.