أعلنت وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة منح المستثمرين والشركات العقارية تخفيضات تصل إلى 90% على مصروفات التنازل في المدن الجديدة، مع إعفاءات ومهل إضافية، ما فجّر غضب الحاجزين والمواطنين الخاضعين لغرامات صارمة.

 

وكشفت القرارات عن مشهد سياسي وإنساني صارخ في الظلم وإزدواجية المعايير، إذ يحصل المستثمر الكبير على مهلة وخصم وإعفاء، بينما يواجه المواطن المتعثر في أقساط الإسكان الاجتماعي أو المتوسط غرامة فورية وإجراءات لا تعرف القدر نفسه من الرحمة.

 

تيسيرات للكبار وعقوبات للصغار

 

وبالتالي، لم تعد القضية مجرد حزمة لتنشيط السوق العقارية، بل اختبارًا لعدالة الدولة في توزيع الامتيازات، بعدما بدا أن من يملك الأرض والمشروع يحصل على التساهل، ومن يملك شقة واحدة يتحمل العقوبة.

 

كما أن الحزمة منحت تخفيضات تصل إلى 70% على مصروفات التنازل عن الوحدات، وامتدت إلى أراض في مدن جديدة محددة، بينما حصلت أراض أخرى على تخفيضات واسعة وفقًا للمساحات والأنشطة.

 

ولزيادة القلق، سمحت القرارات بمنح مهلات للمشروعات التي تواجه عوائق فنية، مع إسقاط غرامات التأخير خلال فترات التعطل، وهي معاملة أثارت سؤالًا مباشرًا عن سبب غياب المنطق نفسه مع المواطنين المتعثرين.

 

لذلك، تبدو المفارقة أقسى من مجرد تفاوت إداري، لأن الدولة التي تطالب المواطن بالانضباط الكامل في السداد تمنح الشركات مساحة أوسع للتأخير وإعادة ترتيب الالتزامات، بما يخلق إحساسًا بأن العدالة تُقاس بحجم المستثمر.

 

ومن ثم، تحولت التيسيرات من قرار اقتصادي إلى قضية ثقة عامة، إذ لا يعرف المواطن لماذا تُعتبر أزمة المطور ظرفًا يستوجب الإنقاذ، بينما تُعامل أزمة الأسرة المتعثرة باعتبارها مخالفة تستحق الغرامة والإجراء الفوري.

 

غير أن وزارة الإسكان تدافع عن الحزمة باعتبارها وسيلة لإنقاذ المشروعات المتعثرة وتحريك السوق ودفع التنمية، لكن هذا الدفاع يظل ناقصًا ما لم تكشف الدولة تكلفة التنازلات وحجم المستفيدين والعائد المتوقع.

 

علاوة على ذلك، قدم النائب حازم توفيق طلب إحاطة بشأن التخفيضات، محذرًا من منح امتيازات مالية استثنائية دون شفافية كاملة، ومطالبًا بتوضيح الأسس الاقتصادية التي استندت إليها الهيئة في قراراتها الأخيرة.

 

وبناءً على ذلك، يصبح السؤال الأول متعلقًا بالمال العام، لأن هيئة المجتمعات العمرانية تستهدف استثمارات بنحو 141.6 مليار جنيه في موازنة 2026/2027، ما يجعل أي إعفاءات واسعة مسألة تستوجب رقابة دقيقة لا بيانًا دعائيًا.

 

أموال عامة بلا حساب واضح

 

في المقابل، لم تعلن الوزارة حتى الآن رقمًا واضحًا لقيمة الإيرادات التي ستتخلى عنها مقابل التخفيضات، ولا عدد الشركات والأفراد المستفيدين، ولا الدراسة التي تقيس ما إذا كانت الحوافز ستنتج بناءً فعليًا أم مضاربات جديدة.

 

وفوق ذلك، حذر طلب الإحاطة من ضرورة منع استغلال التيسيرات في المضاربة أو إعادة بيع الأراضي دون تنفيذ المشروعات، وهي مخاطرة تتضاعف عندما تنخفض تكلفة التنازل إلى مستويات تجعل الاحتفاظ بالأرض ثم بيعها أكثر جاذبية.

 

أما الخبير العقاري عبد المجيد جادو، فيربط تعثر بعض المطورين بالتضخم وارتفاع تكاليف البناء وضعف القدرة التمويلية واعتماد شركات على مقدمات الحجز والأقساط، وهو تشخيص يفسر الأزمة لكنه لا يبرر إعفاءات بلا محاسبة.

 

وفي هذا السياق، يكشف رأي جادو أن إنقاذ المشروعات قد يكون مطلوبًا لحماية المشترين، لكن الدعم الحقيقي يجب أن يرتبط بجدول تنفيذ ورقابة على أموال الحاجزين، لا بامتياز مفتوح يكافئ من أخطأ في التمويل.

 

ومع ذلك، فإن إعفاء المطور من الغرامة دون إلزامه بتعويض الحاجز المتضرر يخلق انحيازًا مزدوجًا، إذ تتحمل الدولة جانبًا من كلفة التعثر، بينما يظل المواطن وحده في مواجهة تأخر التسليم وارتفاع الأسعار وتآكل مدخراته.

 

من ناحية أخرى، تفتح التخفيضات البالغة 90% بابًا واسعًا لمناقشة تسقيع الأراضي، لأن انخفاض تكلفة التنازل قد يحول بعض الأصول العامة إلى أدوات للمضاربة وإعادة البيع، بدل توجيهها سريعًا للبناء وتوسيع المعروض السكني.

 

وفي الوقت نفسه، تؤكد خبرات السوق أن التعامل مع الأرض باعتبارها مخزنًا للقيمة وانتظار ارتفاع سعرها يرفع تكلفة العمران، ويجعل السكن أبعد عن قدرة الأسر المتوسطة ومحدودة الدخل، بدل تحويل الأراضي إلى مشروعات حقيقية.

 

كذلك، يرى طارق شكري أن إصلاح السوق يتطلب جهة تنظيمية وقواعد واضحة وبيانات فعلية، محذرًا من أن غياب التوازن بين العرض والطلب يخلق منافسة غير عادلة ويعمق الخلل داخل القطاع.

 

وبالإضافة إلى ذلك، يدعو شكري إلى تنظيم بيع الأراضي ومتابعة الطروحات وفق دراسات دقيقة، وهو ما يكشف أن منح تخفيضات واسعة بلا بيانات منشورة يتعارض مع الحاجة نفسها إلى سوق منضبط وقابل للرقابة.

 

وعليه، فإن منح الإعفاءات دون نشر قائمة المستفيدين ومدد التعثر وحجم الالتزامات قد يحول القرار إلى مظلة عامة يستفيد منها المنضبط والمتعثر والمضارب معًا، بينما تبقى الدولة عاجزة عن إثبات أن المال العام حُمي.

 

الامتياز للمطور والفاتورة للمواطن

 

ثم إن العدالة تقتضي مقارنة صريحة بين المستثمر والمواطن، فالأخير لا يملك فريقًا قانونيًا ولا قدرة على التفاوض، ومع ذلك قد يخسر حجزه أو يدفع غرامات عند التعثر، بينما يحصل صاحب المشروع على مسارات تفاوضية متعددة.

 

في المقابل أيضًا، أعلنت الحكومة سابقًا تيسيرات لبعض متأخري السداد من المواطنين في مشروعات معينة، وهو ما يؤكد أن المرونة ممكنة إداريًا، لكنه يزيد الحاجة إلى قاعدة موحدة تمنع تحوّل الاستثناء إلى امتياز انتقائي.

 

أما محمد البستاني، فيؤكد أن الملاءة المالية للمطور والالتزام بمواعيد التسليم هما أساس ثقة العملاء واستقرار العلاقة مع الدولة، بما يعني أن أي تيسير يجب أن يرتبط بالقدرة الحقيقية على التنفيذ.

 

وبهذا المعنى، يصبح المطلوب ربط أي خصم أو إعفاء بمؤشرات قابلة للقياس، تشمل نسبة الإنجاز وعدد الحاجزين المتضررين وخطة التمويل ومواعيد التسليم، مع استرداد الامتياز فور ثبوت المضاربة أو عدم تنفيذ المشروع.

 

أخيرًا، لا يكمن الغضب في مساعدة المستثمرين وحدها، بل في ازدواج الدولة التي تكتشف المرونة حين يتعثر صاحب الملايين، ثم تستعيد صرامتها كاملة حين يتأخر موظف أو أسرة محدودة الدخل عن قسط السكن.

 

ولهذا، فإن الحزمة ستظل موضع شبهة سياسية واجتماعية حتى تعلن الوزارة تكلفة التخفيضات وأسماء الفئات المستفيدة ومعايير الاختيار وآليات منع تسقيع الأراضي، وتقدم للمواطن المتعثر قاعدة إنصاف لا تقل رحمة عن المستثمر.

 

في النهاية، تكشف أزمة تخفيضات الإسكان أن السؤال لم يعد كيف تنقذ الحكومة السوق، بل من تنقذه أولًا، ومن يدفع الثمن، ولماذا تصبح الخسارة شأنًا عامًا عندما تخص المستثمر وشأنًا فرديًا عندما تخص المواطن.