أعاد قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي ملف انتخابات المجالس المحلية إلى الواجهة بعد سنوات طويلة من الغياب، فاتحا الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن حقيقة هذا التحرك وتوقيته، وما إذا كان يستهدف إحياء الرقابة الشعبية واللامركزية، أم إعادة إنتاج المشهد البرلماني نفسه داخل المحافظات والمدن والقرى.
وتزداد الشكوك مع واقع سياسي يرى فيه محللون أن مجلسي النواب والشيوخ تحولا إلى مؤسستين محدودتي التأثير، تنحصر مهمتهما في تمرير القرارات الكبرى والقروض والسياسات السيادية، بما يجعل الحديث عن محليات منتخبة يواجه منذ البداية أزمة ثقة عميقة في طبيعة العملية السياسية نفسها.
فالمخاوف لا تتعلق فقط بقانون الانتخابات أو طريقة توزيع المقاعد، وإنما بالسؤال عن الجهة التي ستختار المرشحين وتدير القوائم وتحدد مساحة المعارضة، وسط توقعات بأن تهيمن القوى الموالية للأجهزة الأمنية، وفي مقدمتها حزب مستقبل وطن، على المشهد المحلي الجديد.
وفي المقابل، قد تحصل قوى معارضة محدودة على مساحة محسوبة سلفا، بما يكفي لإظهار تنوع سياسي شكلي أمام الخارج، دون أن تتحول المجالس المحلية إلى مؤسسات حقيقية قادرة على مراقبة المحافظين ورؤساء الأحياء وكشف الفساد أو تعطيل القرارات التنفيذية.
برلمان مصغر بلا سلطة
يرى محللون أن أي انتخابات محليات قادمة قد تكون استنساخا للمشهد القائم داخل البرلمان، حيث توجد المؤسسات في الشكل، بينما تظل قدرتها الفعلية على الرقابة والمساءلة محدودة، خصوصا في الملفات المرتبطة بالقرارات الكبرى أو السياسات الاقتصادية والسيادية.
ولخصت الإعلامية رانيا بدوي هذه الرؤية بقولها إن البرلمان حقق على الأقل شكلا مؤسسيا رغم فراغه من المضمون، بينما ظلت المحليات بلا شكل ولا مضمون، في إشارة إلى غياب المجالس المنتخبة واستمرار الإدارة المحلية دون رقابة شعبية مباشرة.
وبحسب هذا التصور، لا يصبح الهدف من الانتخابات نقل السلطة إلى المواطنين، وإنما إعادة ترتيب شبكة الولاء على مستوى المحافظات والمراكز والأحياء، بحيث تتوسع القاعدة السياسية الموالية للنظام وتحصل على مقاعد ونفوذ ومصالح جديدة تحت عنوان المشاركة المحلية.
ويزيد من هذه الشكوك خروج شخصيات بارزة من داخل النظام القديم لتأييد الدعوة، وفي مقدمتها وزير الخارجية الأسبق عمرو موسى، الذي أعلن دعمه لتنشيط الحياة السياسية وإجراء انتخابات المجالس المحلية باعتبارها خطوة أولى نحو إعادة الحيوية للأحزاب.
لكن منتقدين ينظرون إلى هذا التأييد باعتباره جزءا من عملية أوسع لإضفاء الشرعية على مسار سياسي قد يخفي أهدافا أخرى، خاصة مع تحذيرات من استخدام ملف المحليات والحريات كمدخل لتمرير تعديلات دستورية جديدة.
ووصف حساب هناك أمل هذا المسار باعتباره محاولة لإشراك شخصيات سياسية في الصورة، ثم استخدام الحديث عن المحليات والحياة الحزبية غطاء لتمرير تغييرات أكبر، بما يحول الانتخابات المنتظرة إلى طعم سياسي يقدم للرأي العام.
ويصبح السؤال هنا أكثر تعقيدا، لأن انتخابات محلية بلا أحزاب مستقلة، وبلا إعلام حر، وبلا ضمانات حقيقية للمنافسة، لن تنتج مجالس رقابية، بل قد تنشئ طبقة جديدة من الموالين المرتبطين بشبكات الإدارة والأمن والمصالح.
شبكة اللواءات والمصالح
لا ينفصل الجدل حول المحليات عن طبيعة إدارتها خلال السنوات الماضية، حيث يرى منتقدون أنها تحولت إلى مساحة واسعة لتعيين لواءات سابقين من الجيش والشرطة، بما جعل مواقع المحافظين ورؤساء الأحياء امتدادا لنظام المكافآت بعد انتهاء الخدمة.
ويطرح هذا الواقع سؤالا مباشرا حول استعداد السلطة للتخلي عن هذه الشبكة لصالح مجالس منتخبة تمتلك صلاحيات حقيقية في الرقابة والمحاسبة، لأن وجود ممثلين شعبيين أقوياء قد يصطدم بمصالح متجذرة داخل الجهاز التنفيذي المحلي.
ويرى الناشط السياسي عمرو عبد الهادي أن الفساد المحلي أصبح مرتبطا بشبكات حماية ونفوذ واسعة، مستشهدا بقضايا رشوة تورط فيها مسؤولون محليون، ومعتبرا أن تدوير مواقع المحافظين بين لواءات الجيش والشرطة والقضاء يضمن استمرار المنظومة نفسها.
وفي السياق ذاته، انتقدت رانيا بدوي استمرار تبديل المسؤولين دون تغيير حقيقي في أسلوب الإدارة، معتبرة أن انتقال المنصب من لواء إلى آخر لن يحل الأزمات ما دام قانون الإدارة المحلية غائبا والمجالس الشعبية المنتخبة غير موجودة.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو المشكلة في أسماء المسؤولين فقط، بل في نظام كامل يعمل من أعلى إلى أسفل، حيث تصدر القرارات بصورة مركزية، بينما يظل المواطن بعيدا عن مراقبة الموازنات والمشروعات والتراخيص وأداء الأجهزة التنفيذية.
وبالتالي، فإن أي انتخابات لا تمنح المجالس المحلية سلطات رقابية حقيقية قد تتحول إلى وسيلة لتوسيع شبكة المصالح بدلا من تفكيكها، وتوزيع مقاعد جديدة على أنصار السلطة دون تغيير جوهر الإدارة أو وقف الفساد.
فالخطر، وفقا لهذه القراءة، هو أن تصبح المجالس المنتخبة مجرد غطاء مدني لشبكة يظل القرار الحقيقي داخلها في يد المحافظين والأجهزة التنفيذية والأمنية، بينما ينشغل الأعضاء بالخدمات الفردية والوساطات وتوزيع النفوذ المحلي.
المنوفية تكشف النظام
تقدم قضية محافظ المنوفية الأسبق هشام عبد الباسط، كما ورد في المادة، نموذجا لما يعتبره المنتقدون خللا عميقا في آليات اختيار القيادات المحلية، بعدما انتهت مسيرته باتهامات فساد وحكم بالسجن رغم الصورة الرسمية التي سبقت سقوطه.
وبحسب التفاصيل الواردة، أثارت القضية أسئلة حول كيفية وصول مسؤول يحمل شهادات وُصفت بالمزورة إلى منصب محافظ، ومنها شهادة دكتوراه منسوبة إلى جامعة كامبريدج، إلى جانب شهادات فخرية أثارت السخرية بسبب مضمونها وطريقة تقديمها.
وشملت الاتهامات، وفق المادة، تخصيص أرض مقابل رشوة، وتضخيم ميزانية صيانة مباني المحافظة، وغسل أموال في عقارات وسيارات، إلى جانب طلب منافع عينية واستخدام تعبيرات مشفرة في تمرير الرشاوى.
وانتهت القضية في عام 2019 بحكم بالسجن 10 سنوات وإلزام برد 58 مليون جنيه، لكن الأهم من العقوبة ظل السؤال عن منظومة الاختيار نفسها، وكيف تمكن شخص بهذه الخلفية من الصعود داخل الإدارة المحلية والوصول إلى منصب محافظ.
ويستخدم منتقدو النظام هذه القضية للدلالة على أن الأزمة ليست حادثة فردية، بل نتيجة غياب الشفافية والمساءلة والرقابة الشعبية، وهو ما يجعل الحديث عن انتخابات المحليات مرتبطا مباشرة بالسؤال عن قدرة المجالس الجديدة على مواجهة هذه المنظومة.
فإذا كانت المجالس المنتخبة ستعمل داخل الحدود نفسها، وتحت السيطرة السياسية نفسها، وبصلاحيات محدودة، فإنها لن توقف الفساد، بل قد تضيف طبقة جديدة من المصالح إلى شبكة قائمة بالفعل داخل المحافظات والأحياء والمراكز.
أما إذا امتلكت سلطات فعلية في استجواب المسؤولين ومراجعة الموازنات ووقف القرارات ومحاسبة المقصرين، فإنها قد تتحول إلى مصدر إزعاج حقيقي لمن اعتادوا إدارة المحليات بعيدا عن أعين المواطنين.
ولهذا، يبقى السؤال الأساسي مع عودة الحديث عن الانتخابات: هل يريد السيسي بالفعل مجالس شعبية قادرة على مراقبة دولة اللواءات وكشف فسادها، أم يريد برلمانات صغيرة تعيد إنتاج الطاعة نفسها وتوزع الغنائم على قاعدة أوسع.
وبين تأييد رموز الدولة القديمة وتحذيرات المعارضين وتجارب الفساد المتراكمة، يبدو أن معركة المحليات لن تكون حول صناديق الاقتراع وحدها، بل حول من يملك السلطة الحقيقية داخل المحافظات ومن يراقب المال العام ومن يحاسب المسؤولين.
وفي النهاية، فإن إجراء الانتخابات لا يكفي لإثبات وجود حياة سياسية، لأن المجالس التي لا تملك القدرة على الرقابة والمساءلة ليست سوى واجهة، والانتخابات التي تحدد نتائجها موازين القوة مسبقا لا تنتج ديمقراطية بل تمنح الاستبداد شكلا جديدا.

