عبد الناصر سلامة

رئيس تحرير صحيفة الأهرام الأسبق

 

الأحد الماضي، افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في العاصمة الإدارية الجديدة، ما أَطلق عليه مقر القيادة الاستراتيجية للدولة، أو "الأوكتاغون" وهو في اللغة الإغريقية المبنى المكون من ثمانية أضلاع، على غرار "البنتاغون" الأمريكي، الذي افتتح عام 1943 على هامش الحرب العالمية الثانية، والمكون من خمسة أضلاع. إلا أنه في الحالة الأمريكية يدار من داخل المبنى الجيش بكل أسلحته وقطاعاته، بينما في الحالة المصرية، تضم الإدارة إلى جانب قطاعات وأسلحة الجيش، كيانات الدولة ككل، وهو ما يجعل من الإدارة المدنية للدولة المصرية قطاعًا من بين قطاعات القوات المسلحة.

 

بدا واضحًا أن فكرة العاصمة الإدارية، مع الأوكتاغون، رافقت السيسي منذ لحظة اعتلائه سدة الحكم عام 2014، ذلك أنه بدأ في البناء والإنشاء على الفور عام 2016، بمجرد الانتهاء من حفر توسعة قناة السويس، على الرغم من الحالة الاقتصادية الهشة التي كانت تعاني منها الدولة المصرية آنذاك، وحتى اليوم، ذلك أن المساعدات العربية والأجنبية كانت العامل المشترك في حياة المصريين، إلى جانب الاقتراض من هنا وهناك، ثم فيما بعد بدأت عمليات بيع الأصول، والتأجير، والاستثمار في قطاعات كانت بمثابة خط أحمر فيما قبل، ثم استقبال لاجئين بشكل واسع مقابل أموال أوروبية ودولية، إلى أن وصل الأمر الآن إلى الموافقة على تملك الأجانب، ومنحهم الجنسية المصرية، متجاوزًا في ذلك أيضًا كل الخطوط والألوان.

 

تساؤلات المصريين آنذاك، كانت تدور حول مدى الحاجة إلى عاصمة جديدة، في الوقت الذي يعلن فيه جهاز التعبئة والإحصاء عن ما يصل إلى 12 مليون وحدة سكنية خالية في أنحاء البلاد، ما يعني أن البلاد لا تعاني من أزمة إسكان. النقاش أيضًا كان يدور حول الأولويات في سياسات الدولة، ذلك أن قطاعات عديدة، في مقدمتها التعليم والصحة، كانت أولى بالإنفاق، حيث تعاني من حالة اهتراء شديدة، ونقص في التمويل، إلى جانب النقص الشديد في العملات الأجنبية، ما أثر سلبًا على قيمة الجنيه الذي تدهورت قيمته بشكل غير مسبوق، (من نحو سبعة جنيهات مقابل الدولار الواحد، إلى نحو خمسين جنيهًا الآن)، وهو ما يعني أن البلاد كانت في حاجة إلى إنشاء مصانع أو مشروعات إنتاجية بهدف التصدير، للحصول على العملات الصعبة، إلى جانب تشغيل الأيدي العاملة للحد من حالة البطالة المرتفعة.

 

وسط كل هذه التساؤلات وغيرها، على مدى أحد عشر عامًا، دون إجابات مقنعة، ومع الكثير من التكهنات والشائعات حول الهدف من إنشاء عاصمة تبلغ تكلفتها، حسب الأرقام المتداولة، ما يصل إلى مائة مليار دولار، وما تضمه من قصر رئاسي غير مسبوق التكلفة والمساحة، ومبان وزارية وإدارية وسكنية وأبراج وغيرها، خرج السيسي الأحد الماضي، خلال افتتاح الأوكتاغون، موضحًا الهدف من كل ذلك قائلًا: إنهم (المتظاهرون) خلال أحداث 25 يناير 2011، حاصروا مقر الحكومة، ووزارة الداخلية، ووزارة الدفاع، ومدينة الإنتاج الإعلامي وغيرها.. فكان من المهم الابتعاد بهذه المؤسسات عن العاصمة، حتى لا يتكرر ذلك مستقبلًا. وبذلك أجاب للمرة الأولى عن الأسئلة التي شغلت الرأي العام طويلًا.

 

على الرغم من ذلك، بدأت حوارات من نوع آخر تجتاح الشارع المصري الآن، حول جدوى هذه الإجراءات والسياسات، وجدوى الابتعاد عن الناس، وجدوى الاحتياطات الأمنية الكبيرة خوفًا من الشعب، وإلى أي مدى يمكن أن يتحقق الأمن للنظام، أي نظام، مع الديكتاتورية، وغلاء الأسعار، والتضخم، والاستدانة، وتقسيم المجتمع إلى قسمين؛ يدار أحدهما من خلال عاصمة فاخرة متميزة للأغنياء، يطلق عليها العامة "إيجيبت أو أهل إيجيبت" بما يتبعها من كومباوندات ومنتجعات وقرى الساحل الشمالي، والمناطق السياحية عمومًا، وأخرى طاردة مهترئة للفقراء، يطلقون عليها "مصر أو أهل مصر"، بما تضمه من عشوائيات القاهرة ومحافظات الدلتا، حيث الإهمال الشديد، ومحافظات الصعيد حيث الفقر المدقع.

 

السؤال الذي يطرحه المراقبون تحديدًا هو: هل يمكن أن تحقق العاصمة البعيدة عن الناس، الأمن للنظام الحاكم، أو تطيل من عمره على أقل تقدير؟ هل يصعب على المواطنين الوصول إلى عاصمة تبعد عن العاصمة التاريخية (القاهرة) نحو 50 كلم؟ هل يمكن أن تحقق أسوار الأوكتاغون الراحة والسكينة لمن يعملون بداخله، في وجود ملايين البشر في الخارج يئنون من الجوع والفقر، أو الاضطهاد والتكدير؟ مع الوضع في الاعتبار أن من يقطنون العاصمة الجديدة، ومن يرتادون الأوكتاغون معًا، هم في نهاية الأمر مصريون، ينتمون إلى من يئنّون ويتذمرون في الخارج، أي ليسوا أجانب، ولا يمثلون المستعمر، ولن يبيعوا وطنهم وذويهم، حتى وإن كانوا يحصلون على امتيازات مادية وعينية.

 

بالتأكيد نحن أمام أزمة شائكة، فجّرتها تصريحات الرئيس المصري، التي تزامنت مع الاهتمام والانشغال الكبير للمواطنين بمجريات "المونديال" الكروي، وهو ما قد يبدو مقصودًا في حد ذاته، إلا أنه وجد تفاعلًا شعبيًا كبيرًا، مع ارتداء الرئيس البدلة العسكرية خلال التصريحات والافتتاح، على غير العادة، في وجود كبار القادة العسكريين وزوجاتهم، وهو ما يعيد التذكير بأننا أمام حكم عسكري واضح، يلقي بظلاله على كل مناحي الحياة، على الرغم من محاولات النفي الرسمية المستمرة، التي لا تتواءم مع الممارسات على أرض الواقع.

 

القضية الأخرى التي لا تقل أهمية، هي ذلك الهاجس الذي يلازم السيسي منذ أن تولى مقاليد الحكم، حول توقعاته بثورة شعبية قد تقضي على الأخضر واليابس، تارة يقسم بالله أنه لن يسمح بحدوث ذلك أبدًا، وتارة يهدد بنزول الجيش إلى الشوارع خلال 6 ساعات حالة حدوث أمر كهذا، وتارة ثالثة ورابعة يحذر من الخراب الذي ينتظر البلاد، في حالة ما إذا تكررت أحداث 25 يناير. وقد كشفت تصريحاته الأخيرة، أنه لم يعتبر هذه التحذيرات مجدية، ما جعله يلجأ إلى الابتعاد بحكومته وجيشه ومساعديه وبرلمانه إلى الصحراء، بعيدًا عن الشعب، مستعينًا بشعب آخر من الأغنياء لإعمار العاصمة الجديدة، التي صرح المسؤول الأول عنها أخيرًا، بأن 30 ألف نسمة يقطنونها حتى الآن، وهو رقم يساوي، أو يقل كثيرًا، عن تعداد سكان قرية متوسطة التعداد في محافظات مصر، ما يؤشر إلى دلالات عديدة.

 

لا شك أن هاجس الثورة، أو النزول إلى الشارع، يخيّم على حوارات النخبة والكادحين على حد سواء، إلا أنه يجد معارضة شديدة في أوساط العامة، الذين يخشون من خروج الأوضاع عن السيطرة، كما حدث من قبل، ما تسبب في غياب أمني عانت منه كل طوائف المجتمع، اللهم إلا البلطجية والمسجلين خطرًا، ونشطاء المنظمات الخارجية، وعملاء الصهيونية والإمبريالية، الذين يجدون ضالتهم وسط هذه الفوضى، وهو ما تحذر منه الآلة الإعلامية الرسمية طوال الوقت، بالتذكير بتلك الأيام الخوالي، التي لم تسفر في نهاية الأمر إلا عن الخلاص من حكم عسكري أقرب إلى الحياة المدنية، إلى حكم عسكري خالص، أشد قسوة وأكثر بطشًا، والسجون والمعتقلات خير شاهد.

 

أعتقد أن مجريات الأحداث في الداخل المصري الآن، تحتم إعادة النظر في العلاقة مع المواطن، ليس بمزيد من البعد والجفاء، والتلويح بالقوة والجبروت، ولكن بالاحتواء والعفو والمشاركة، والاقتراب من الشارع، خصوصًا أننا مقبلون على مرحلة بالغة الحساسية، تتعلق -كما هو واضح- بتعديل الدستور، للسماح للرئيس بالبقاء في الحكم فترة أطول، أو حتى مدى الحياة، وهو ما قد يجد معارضة شعبية كبيرة من "أهل مصر"، حتى وإن كان لـ"أهل إيجيبت" رأي آخر، وهو ما يجعل من ذلك التقسيم الفئوي أو العنصري في هذه المرحلة أمرا غير مستحب، بل أمرا بالغ الخطورة، يستدعي إعادة النظر بإجراءات على أرض الواقع، وليس بمجرد أحاديث فضفاضة لاستهلاك الوقت، حول حوارات إعلامية معلومة نتيجتها سلفًا، أو مجالس محلية لا تسمن ولا تغني من جوع.