أصدرت محكمة النقض حكمًا نهائيًا وباتًا برفض الطعنين المقدمين من وزيرة الثقافة جيهان زكي في حكومة الانقلاب العسكري، لتؤيد بذلك الحكم الصادر عن المحكمة الاقتصادية بإدانتها في قضية التعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة والصحفية سهير عبد الحميد، وإلزامها بسداد تعويض قدره 100 ألف جنيه، إلى جانب سحب الكتاب محل النزاع من التداول ومنع بيعه أو إتاحته للجمهور.
الحكم الذي استنفد جميع درجات التقاضي لم يعد مجرد نزاع بين كاتبتين حول حدود الاقتباس، بل تحول إلى قضية رأي عام تطرح تساؤلات واسعة حول معايير اختيار المسؤولين، ومدى توافق البقاء في المناصب العامة مع صدور أحكام قضائية نهائية تتعلق بحقوق الملكية الفكرية والإبداع.
نهاية معركة قضائية استمرت سنوات
تعود القضية إلى الدعوى التي أقامتها الكاتبة سهير عبد الحميد أمام المحكمة الاقتصادية، متهمةً جيهان زكي بالاعتداء على حقوقها الأدبية والمالية من خلال نقل أجزاء من كتابها داخل مؤلف أصدرته الوزيرة.
وأثناء نظر الدعوى قررت المحكمة تشكيل لجنة ثلاثية من خبراء الملكية الفكرية لفحص العملين محل النزاع، وانتهى تقرير اللجنة إلى وجود نقل حرفي واقتباسات مطولة وتشابهات جوهرية في الصياغة والبناء والترتيب، وهي النتائج التي اعتمدت عليها المحكمة الاقتصادية عند إصدار حكمها في يوليو 2025.
وقضى الحكم حينها بإلزام جيهان زكي بدفع تعويض مالي قدره 100 ألف جنيه للكاتبة سهير عبد الحميد، مع سحب الكتاب من الأسواق ومنع تداوله.
ورغم تقدم الوزيرة بطعنين أمام محكمة النقض، فإن المحكمة انتهت إلى رفضهما، ليصبح الحكم نهائيًا وباتًا.
لماذا رفضت محكمة النقض الطعن؟
اعتمدت محكمة النقض على ما انتهت إليه المحكمة الاقتصادية من أن ما ورد في الكتاب تجاوز حدود الاقتباس المشروع المنصوص عليها في قانون حماية الملكية الفكرية.
وأكدت المحكمة أن مجرد إدراج المصادر أو المراجع داخل الكتاب لا يمنح مشروعية للنقل الحرفي أو الاقتباسات الموسعة إذا كانت تمس جوهر العمل الأصلي وتطمس استقلاليته.
كما شددت على أن الاقتباس المشروع يجب أن يكون محدودًا وواضحًا، مع تحديد مواضع النقل بدقة، وهو ما رأت المحكمة أنه لم يتحقق في هذه القضية.
وأيدت المحكمة كذلك اعتماد الحكم على تقرير اللجنة الثلاثية من خبراء الملكية الفكرية، معتبرة أن التقرير جاء مستوفيًا للأسس الفنية والعلمية التي تسمح بالاستناد إليه.
دفاع الوزيرة.. والرد القضائي
خلال جميع مراحل التقاضي تمسك دفاع جيهان زكي بأن الكتاب يدخل في إطار الدراسات البحثية والتحليلية التي يسمح بها قانون حماية الملكية الفكرية.
كما دفع بأن العملين يتناولان موضوعًا تاريخيًا عامًا، وأن المصادر المشار إليها داخل الكتاب تنفي وجود اعتداء على حقوق المؤلفة.
إلا أن المحكمة رفضت هذه الدفوع، مؤكدة أن النزاع لا يتعلق بالأفكار التاريخية المجردة، وإنما بطريقة عرضها وصياغتها ونقل أجزاء جوهرية من العمل الأصلي.
طعنان في يوم واحد
ومن بين الوقائع التي أثارت الانتباه في مسار القضية، تقدم الوزيرة بطعنين أمام محكمة النقض في اليوم نفسه عقب صدور الحكم الاقتصادي.
وأوصت نيابة النقض في مذكرتين منفصلتين برفض الطعنين، معتبرة أن أسبابهما لا تنال من سلامة الحكم الصادر عن المحكمة الاقتصادية، قبل أن تنتهي محكمة النقض بالفعل إلى رفضهما نهائيًا.
أزمة سياسية تتجاوز ساحات القضاء
القضية لم تبق داخل أروقة المحاكم فقط، بل امتدت إلى المشهد السياسي منذ تعيين جيهان زكي وزيرةً للثقافة في فبراير 2026، رغم صدور حكم المحكمة الاقتصادية قبل توليها المنصب.
وكان وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان قد صرح في مؤتمر صحفي للحكومة آنذاك بأن مجلس الوزراء سينظر في الوضع القانوني للوزيرة حال صدور حكم نهائي وبات من محكمة النقض.
إنتصار لحقوق المؤلفين
من جانبها، اعتبرت الكاتبة سهير عبد الحميد أن الحكم يمثل انتصارًا لحقوق المؤلفين بعد سنوات من التقاضي، مؤكدة أنها تعرضت خلال الأزمة للتشكيك والتقليل من شأن شكواها، وأن الحكم النهائي أعاد الاعتبار لحقها الأدبي والفكري.
كما طالبت باتخاذ خطوات تعيد الاعتبار لها ولجميع المبدعين، معتبرة أن القضية لا تخص شخصًا بعينه، وإنما تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى احترام الدولة لحقوق الملكية الفكرية.
رسالة تتجاوز أطراف القضية
يرى متخصصون في الملكية الفكرية أن أهمية الحكم لا تكمن فقط في التعويض المالي أو سحب الكتاب، وإنما في الرسالة القانونية التي يبعث بها، ومفادها أن حماية حقوق المؤلفين لا تخضع للمناصب أو المكانة الوظيفية، وأن قواعد حماية الإبداع تسري على الجميع دون استثناء.
كما يؤكد الحكم أهمية التقارير الفنية الصادرة عن خبراء الملكية الفكرية باعتبارها عنصرًا حاسمًا في الفصل بمثل هذه النزاعات، خاصة عندما تتعلق بمدى مشروعية الاقتباس وحدوده القانونية.
وبينما أسدل القضاء الستار على القضية بحكم نهائي غير قابل للطعن، يبقى السؤال المطروح داخل الأوساط السياسية والثقافية: هل يقتصر الأمر على تنفيذ الحكم القضائي، أم تمتد تداعياته إلى مساءلة سياسية وإدارية تتناسب مع طبيعة المنصب الذي تشغله وزيرة الثقافة؟

