خرج معارضون مصريون في أمستردام ولندن، في تحركين احتجاجيين بمدينتين أوروبيتين، لإحياء الذكرى 13 لانقلاب 3 يوليو 2013، مطالبين بالإفراج عن المعتقلين وفتح المجال العام، ومتهمين سلطة السيسي بتحويل الانقلاب إلى نظام دائم للقمع والسجون.
وتكشف هذه التحركات أن جراح الانقلاب لم تغلق، وأن السلطة التي بنت استقرارها المعلن فوق السجون والملاحقات لم تنجح في دفن الذاكرة، بينما يواصل المعتقلون وأسرهم دفع كلفة سياسية وإنسانية صنعتها دولة الخوف.
وفي أمستردام، تجمع محتجون أمام محطة أمستردام سنترال، إحدى أكثر نقاط المدينة حيوية، ورفعوا صور المعتقلين ولافتات تطالب بإطلاق سراحهم، مرددين هتافات مناهضة للانقلاب تحت شعار هاتوا إخواتنا من الزنازين.
كما اختار المنظمون موقعا يمر به آلاف السكان والسائحين يوميا، في رسالة تتجاوز مخاطبة المصريين بالخارج، وتستهدف كسر الحصار الإعلامي الذي تعتمد عليه السلطة لإبعاد ملف السجون عن الرأي العام الدولي.
بمشاركة أعضاء من حركة ميدان في أوروبا.. وقفة احتجاجية في العاصمة الهولندية أمستردام في ذكرى انقلاب 3 يوليو#ميدان #هانت #احنا_الشعب pic.twitter.com/KXD7RJjMXF
— ميدان ـ Maydan (@MaydanEG25) July 3, 2026
وبالتوازي، شهد وسط لندن وقفة ومسيرة قصيرة انتهت أمام السفارة المصرية، حيث رفع المشاركون شعار 13 عاما من الخراب، وربطوا بين لحظة إسقاط الرئيس المنتخب وبين سنوات الانغلاق السياسي وتآكل الحريات.
ومن ثم، لم تكن الفعاليات مجرد استعادة لذكرى تاريخية، بل تحولت إلى محاكمة سياسية مفتوحة لسلطة بدأت بإقصاء رئيس منتخب، ثم وسعت دائرة الاستهداف حتى طالت معارضين وحقوقيين وصحفيين وأصواتا مستقلة.
علاوة على ذلك، شارك نشطاء مصريون وأفراد من جاليات عربية في تحرك لندن، بما يعكس اتساع النظرة إلى الأزمة المصرية بوصفها قضية حقوق وحريات تتجاوز حدود الصراع الحزبي الذي تروجه السلطة.
وبحسب الباحثة إيمي أوستن هولمز، فإن سنوات ما بعد 2013 كشفت أن القمع لم ينه الاحتجاج، بل أعاد تشكيله ودفعه إلى مسارات مختلفة، وهو ما يفسر استمرار المعارضة رغم إغلاق المجال العام.
لهذا، تبدو ساحات أوروبا اليوم امتداداً لمساحة صودرت داخل مصر، حيث أصبح رفع لافتة أو تنظيم وقفة أو المطالبة بسجين مخاطرة قد تقود صاحبها إلى الملاحقة، بينما يفعلها المصريون بالخارج أمام العالم.
المعتقلون في قلب دولة الخوف
وفي قلب الفعاليات برز ملف المعتقلين باعتباره الجرح الأكثر وضوحا في سجل السلطة، إذ لم يعد الحديث مقتصرا على قيادات سياسية، بل يشمل نشطاء وحقوقيين ومدونين ومواطنين عوقبوا بسبب التعبير السلمي.
وبالتالي، فإن شعار هاتوا إخواتنا من الزنازين اختصر جوهر الأزمة أكثر من أي خطاب مطول، لأنه نقل القضية من لغة الأرقام الباردة إلى سؤال إنساني مباشر عن أسر تنتظر وأعمار تضيع خلف الأبواب.
كما أن أحدث التقارير الحقوقية الدولية تؤكد استمرار وجود آلاف المحتجزين في ظروف قاسية، بعضهم رهن حبس احتياطي طويل أو أحكام صدرت بعد محاكمات تفتقر إلى ضمانات العدالة، وسط تضييق متواصل.
غير أن السلطة تواصل تقديم الإفراجات المحدودة باعتبارها دليلا على الانفراج، بينما تتزامن مع اعتقالات جديدة وإعادة تدوير قضايا وتقييد للعمل الحقوقي، بما يحول الاستثناء الإعلامي إلى غطاء لاستمرار البنية القمعية.
ويرى حسين باعومي، المسؤول الإقليمي في منظمة العفو الدولية، أن ملاحقة من يطالبون سلميا بالإفراج عن سجناء تكشف أزمة أعمق، لأن الدولة تعاقب حتى الدعوة إلى إنهاء الاحتجاز غير العادل.
إلى جانب ذلك، أعاد اعتقال نشطاء بسبب تنظيم فعاليات سلمية للمطالبة بالإفراج عن محتجزين تأكيد أن النظام لا يخشى العنف بقدر ما يخشى المجال العام نفسه، وكل تجمع مستقل خارج رقابته.
وبناء على ذلك، يحمل المحتجون في أوروبا صور المعتقلين لأن صورهم محاصرة في الداخل، ويرددون أسماءهم لأن الإعلام المحلي يتجاهلهم، ويطالبون بحريتهم لأن المؤسسات التي يفترض أن تحمي الحقوق صارت جزءا من الصمت.
من الانقلاب إلى الجمهورية المغلقة
ومن جهة أخرى، تعيد ذكرى 3 يوليو النقاش إلى أصل المسار، حين قاد عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، تحركا عسكريا عزل الرئيس محمد مرسي وعطل الدستور وفتح باب ترتيبات سياسية جديدة.
وعقب ذلك، اعتقل مرسي ونقل إلى مكان احتجاز غير معلن، بينما بدأت حملة واسعة استهدفت قيادات جماعة الإخوان وأنصار الرئيس المعزول، ثم تمددت لاحقا لتشمل دوائر أوسع من المعارضة والنشاط المدني.
وقبل الانقلاب، كانت مصر تشهد انقساما حادا واحتجاجات واسعة ضد مرسي، مع صعود حركة تمرد ودعوات لانتخابات مبكرة، لكن وجود أزمة سياسية لم يمنح الجيش تفويضا ديمقراطيا لإلغاء نتيجة الصندوق.
لذلك، كان أخطر ما جرى هو تحويل الخلاف السياسي إلى بوابة لعودة المؤسسة العسكرية حكما مباشرا، ثم استخدام التفويض الشعبي المؤقت لبناء نظام لا يسمح اليوم بمعارضة حقيقية ولا تداول للسلطة.
وفي هذا السياق، يرى الباحث يزيد صايغ أن نظام السيسي أعاد تشكيل السلطوية المصرية عبر قمع شديد وهيمنة على الإعلام وتعزيز غير مسبوق للسلطة الرئاسية، مع تثبيت أولوية المؤسسة العسكرية داخل الدولة.
وبعبارة أخرى، لم يكن 3 يوليو انتقالا مؤقتا كما قيل، بل نقطة تأسيس لجمهورية سياسية جديدة احتكرت فيها السلطة المجال العام، وأعادت تعريف الدولة باعتبارها جهازا يطلب الطاعة أكثر مما يضمن الحقوق.
كذلك، تبدو حصيلة 13 عاما واضحة في تراجع السياسة إلى الهامش، وإضعاف الأحزاب، وخنق الصحافة المستقلة، وتحويل الانتخابات إلى مناسبات محسوبة النتائج، بينما تظل أجهزة الأمن صاحبة اليد الأعلى في إدارة المجال العام.
ومع ذلك، فشلت كل أدوات السيطرة في إنهاء سؤال الشرعية، لأن مشاهد أمستردام ولندن تؤكد أن الذاكرة السياسية لم تختف، وأن ملف المعتقلين بقي شاهدا حيا على ثمن المسار الذي بدأ في 2013.
وفوق ذلك، تمنح الاحتجاجات الخارجية أسر المعتقلين مساحة صوت لا توفرها لهم المؤسسات المحلية، وتضع الحكومات الغربية أمام تناقضها بين الحديث عن حقوق الإنسان واستمرار الشراكات الواسعة مع نظام شديد القمع.
وأخيرا، فإن الرسالة القادمة من أمستردام ولندن لا تتعلق بالماضي وحده، بل تحذر من حاضر أغلقت فيه السلطة السياسة وحولت السجون إلى أداة حكم، ثم طالبت المصريين باعتبار الصمت مرادفا للاستقرار.
وهكذا، بعد 13 عاما، يعود الانقلاب إلى الواجهة لا كذكرى عابرة، بل كأصل لأزمة ممتدة عنوانها رئيس أزيح بالقوة، ومعتقلون ينتظرون الحرية، وبلاد ما زالت تدفع ثمن حكم أغلق أبواب السياسة.

