أقرت حكومة الانقلاب مع بدء يوليو 2026 زيادة أسعار مياه الشرب للمنازل بنسب تصل إلى 25% وترتفع إلى 50% في مناطق ساحلية وسياحية، لتكون النتيجة المباشرة توسيع دائرة الغلاء فوق رؤوس الأسر والمنتجين معاً.
ثم تكشف هذه الزيادة، المتزامنة مع الوقود والكهرباء والنقل، جوهر السياسة القائمة منذ سنوات: تحميل الناس كلفة الفشل الإداري والندرة وسوء الأولويات، بينما تُدار الخدمات الأساسية بعقلية الجباية لا بعقيدة الحق الاجتماعي ولا بمنطق الحماية العامة.
ملامح القرار وخلفياته
وإذ أكدت مصادر حكومية وصناعية أن التعريفة الجديدة أُقرت في يناير وبدأ تطبيقها مع السنة المالية الجديدة في يوليو، فإن القرار لم يهبط فجأة، بل جاء ضمن مسار رسمي أوسع لربط الأسعار بتكلفة الإنتاج واسترداد النفقات.
وبالتوازي كشفت مستندات التعريفة الجديدة رفع أسعار المياه والصرف بالمناطق السكنية والسياحية والخدمية، مع تعديل رسوم الوحدات غير المزودة بعدادات، في خطوة تقول السلطة إنها تقرب سعر الخدمة من كلفتها، بينما يراها المواطن عقوبة جماعية جديدة.
كما تبرر الحكومة الزيادة بأنها جزء من سياسة التوسع في التحلية وإعادة الاستخدام ورفع كفاءة الاستهلاك، وهي مبررات لا تنفي الحقيقة الأوضح: الدولة اختارت الطريق الأسهل مالياً، أي مد يدها إلى جيب المستهلك قبل مراجعة هدرها البنيوي.
لذلك يكتسب كلام الدكتور عباس شراقي وزناً خاصاً، إذ يؤكد أن نصيب الفرد في مصر هبط إلى ما دون خط الفقر المائي، وأن الدولة صارت تعيد استخدام نحو 25 مليار متر مكعب سنوياً بكلفة معالجة مرتفعة وضغط متزايد.
وفي المقابل لا يظهر في القرار أي تصور عادل لكيفية حماية الشرائح الأضعف من الأثر الفوري، ولا أي إعلان شفاف عن حدود الدعم الاجتماعي، ولا آلية تمنع تحول خدمة أساسية مثل المياه إلى بند استنزاف شهري دائم.
ومن هنا لا تبدو زيادة 25% في المدن و50% في بعض المناطق السياحية والساحلية مجرد تعديل فني في الفواتير، بل ترجمة مباشرة لنهج يرى المواطن آخر من يجب حمايته، وأول من يجب أن يدفع ثمن الاختلال.
البصمة المائية وكلفة الصناعة
علاوة على ذلك تتحرك الحكومة لتطبيق منظومة البصمة المائية على المشروعات الصناعية، بما يربط سعر المياه بحجم الاستهلاك وطبيعة النشاط، مع زيادة أسعار التوريد للمصانع كثيفة الاستهلاك بنحو 25% تحت عنوان الترشيد وتحسين كفاءة الاستخدام.
كذلك جاء تشكيل لجنة مشتركة بين وزارات الصناعة والري والتموين والزراعة في يونيو الماضي تتويجاً لهذا التوجه، مع تكليفها بوضع أكواد ومعايير للصناعات الغذائية وفق معدلات استهلاك المياه والقيمة المضافة التي تحققها تلك الأنشطة.
غير أن الدكتور هاني سويلم، وزير الري وأستاذ إدارة الموارد المائية، أوضح بنفسه أن الفجوة المائية في مصر تبلغ 23.20 مليار متر مكعب سنوياً، وأن البصمة المائية يجب أن تصبح معياراً للتوسع الصناعي والتخطيط الاستثماري.
وبحسب ما نقله مسؤولون في اتحاد الصناعات، فإن القلق يتصاعد من أن يؤدي التطبيق الموحد إلى رفع كلفة الإنتاج وأسعار السلع، خصوصاً في الصناعات الغذائية والدوائية والكيماوية ومواد البناء التي تمس السوق اليومية مباشرة.
أما ممثلو الصناعة فقد طالبوا بتأجيل التنفيذ لحين إعداد معايير دقيقة لاستهلاك كل نشاط، خشية أن تتحول البصمة المائية إلى رسم جديد مقنع، لا إلى أداة ترشيد عادلة، وهو اعتراض يكشف ارتباك الدولة قبل عدالة القرار.
وفي السياق نفسه تبدو ملاحظة خالد أبو المكارم، رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة، كاشفة، حين شدد على أن تعزيز الصادرات يتطلب خفض تكلفة الإنتاج والتمويل وتحسين الخدمات، لا إضافة أعباء جديدة فوق مصنع مثقل أصلاً.
فوق ذلك يتجاهل الخطاب الرسمي أن أي زيادة على المياه داخل سلاسل التصنيع لن تبقى حبيسة دفاتر الشركات، بل ستنتقل سريعاً إلى أسعار الغذاء والدواء والمنظفات ومواد البناء، أي إلى موائد الناس وصحتهم وسكنهم اليومي.
موجة الغلاء وتدوير الكلفة على الناس
وبناء على ذلك جاءت زيادة المياه داخل موجة واحدة مع زيادات الوقود والكهرباء والنقل، بما يجعل الحديث الحكومي عن ترشيد منفصل لكل قطاع مضللاً، لأن المواطن يواجه في الواقع حزمة متراكبة من الأعباء المتزامنة لا قرارات معزولة.
تبعاً لذلك أعلن رئيس الوزراء زيادة إضافية بنسبة 20% على استهلاك الكهرباء للمنشآت التجارية التي تواصل العمل بعد مواعيد الغلق الرسمية، وهو ما يرفع مباشرة أعباء المطاعم والمقاهي والمحال، ثم يدفعها حتماً إلى تحميل الزبون الفارق.
والحال أن الخبير الاقتصادي وائل النحاس حذر من أن رفع أسعار الكهرباء الخاصة بالمرافق والخدمات لا ينفصل عن موجات التضخم اللاحقة، لأن كلفة تشغيل المياه والنقل والزراعة تدخل مباشرة في أسعار الغذاء والخدمات داخل السوق المصرية.
وعليه يصبح الادعاء بأن القرارات لن تمس المواطن مباشرة مجرد صياغة بيروقراطية خادعة، لأن المصنع والمتجر والمقهى ووسيلة النقل لا تدفع من جيبها الخاص، بل تعيد تدوير كل زيادة إلى المستهلك النهائي بلا رحمة.
فضلاً عن ذلك، ورغم تباطؤ التضخم السنوي في المدن إلى 14.6% خلال مايو، فإن موجة الأسعار الإدارية الجديدة تهدد بإحياء الضغوط سريعاً، خصوصاً حين تتراكم الزيادات على الخدمات الأساسية التي لا يستطيع الناس الاستغناء عنها.
واستناداً إلى ذلك لا تبدو الحكومة منشغلة بإدارة الندرة المائية بقدر انشغالها بإدارة الجباية، إذ تربط الخدمة بالكلفة حين يتعلق الأمر بالمواطن، لكنها لا تعرض بنفس الحماس كشفاً علنياً للهدر ولا حساباً سياسياً للمسؤولين.
بالمقابل يكشف رفع رسوم الوحدات غير المزودة بعدادات، وزيادة أسعار المياه للأنشطة المختلفة، ودراسة توزيع المياه بالحصص في مناطق موسمية، أن الدولة تتجه إلى تقنين الشح عبر الفاتورة لا إلى معالجة أسبابه عبر إصلاح السياسات.
أخيراً فإن أخطر ما في القرار ليس رقم الزيادة وحده، بل الرسالة التي يحملها: المياه لم تعد خدمة عامة تسعى الدولة لحمايتها، بل سلعة يُعاد تسعيرها باستمرار، بينما يُترك المواطن والصانع معاً لمعادلة القهر والدفع.

