كشفت شكاوى أهالي بولاق الدكرور، في محافظة الجيزة، عن  ظاهرتين متداخلتين هما النباشون وتعاطي المخدرات في الشوارع المظلمة، فكانت النتيجة تراكم المخلفات واتساع الخوف اليومي داخل الحي.

 

وبالتالي، لا تبدو الأزمة مجرد قمامة متناثرة أو شباب منحرفين في زاوية شارع، بل صورة سياسية وإنسانية لفشل إدارة محلية تترك الفقراء محاصرين بالعتمة والمرض والخطر، ثم تطالبهم بالصبر.

 

النباشون والقمامة كعنوان لانهيار الحي

 

كما أن انتشار النباشين في شارع سلام بأبو قتادة وتقسيم عمرو بن العاص يكشف غياب منظومة جمع مخلفات محترمة، حيث يتحول فرز القمامة العشوائي إلى مصدر رزق بائس ومصدر تلوث مفتوح.

 

لذلك، لا يجوز اختزال النباشين في صورة الجاني وحده، لأن السلطة التي فشلت في تنظيم الجمع والفرز والرقابة هي التي صنعت الفوضى، وتركت الشارع يتحول إلى ورشة نفايات بلا حماية.

 

ومن ثم، تتراكم القمامة أمام البيوت والمحلات، وتخرج الروائح والحشرات من قلب الحياة اليومية، بينما يدفع السكان كلفة صحية ونفسية مضاعفة بسبب إدارة لا تظهر إلا في الحملات الاستعراضية العابرة.

 

غير أن قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 وضع إطارًا رسميًا لإدارة آمنة للمخلفات، ما يعني أن الأزمة ليست غياب نصوص، بل غياب تنفيذ ومحاسبة وإدارة ميدانية جادة.

 

علاوة على ذلك، تشير ليلى إسكندر، وزيرة البيئة السابقة، في خبرتها مع جامعي القمامة، إلى أن اقتصاد إعادة التدوير يحتاج تنظيمًا اجتماعيًا ومهنيًا، لا مطاردة فقيرة ولا تركًا عشوائيًا يلوث الشوارع.

 

بناءً على ذلك، يصبح النباش في بولاق الدكرور علامة على اقتصاد ظل خلقه الإهمال، فالحي لا يدمج العاملين في منظومة نظافة، ولا يمنع العبث بالمخلفات، ولا يحمي السكان من آثار الفرز المفتوح.

 

في المقابل، يكتفي المسؤولون غالبًا بلغة الحملات المؤقتة، بينما يعرف الأهالي أن المشكلة تعود بعد ساعات، لأن أصل المرض باق، وهو غياب نظام يومي ثابت يجمع القمامة قبل أن تصبح كارثة.

 

المخدرات والعتمة وتآكل الأمان الشعبي

 

إلى جانب ذلك، يتحدث سكان شارع الثلاثيني في تقسيم عمرو بن العاص عن تحول مناطق مظلمة إلى بؤر لتعاطي المخدرات ليلًا، بما يخلق ذعرًا عائليًا دائمًا ويقيد حركة النساء والأطفال.

 

لزيادة الخطر، ربط الأهالي بين ضعف الإضاءة وانتشار المتعاطين ووقوع مشاجرات بين شباب وصبية، وهي حلقة تكشف أن الشارع المهمل أمنيًا وبيئيًا يتحول بسرعة إلى مساحة مفتوحة للعنف والانفلات.

 

وبعبارة أخرى، لا تنفصل لمبة الشارع المحروقة عن حق الناس في الأمن، لأن الظلام ليس تفصيلًا فنيًا، بل فرصة للجريمة، ورسالة لسكان الحي بأن الدولة غائبة عن حياتهم اليومية.

 

كذلك، يعلن صندوق مكافحة وعلاج الإدمان أن برامجه الوقائية تستهدف رفع الوعي بمخاطر التعاطي بين فئات المجتمع، غير أن بولاق الدكرور يحتاج حضورًا وقائيًا ميدانيًا، لا شعارات عامة بعيدة عن الشارع.

 

وعليه، فإن الحديث عن جرعات زائدة وحوادث وفاة بين الشباب يضع الأزمة في مربع الصحة العامة، لا في خانة المخالفة الأمنية وحدها، فالإدمان هنا يتغذى على الفقر والفراغ والظلام والإهمال.

 

ثم إن منى أباظة تناولت تحولات المجال العام بعد يناير باعتبارها صراعًا على الظهور والوجود، وهذا المعنى يفسر كيف يتحول الشارع المهمل إلى مساحة يطرد منها السكان المحترمون قسرًا.

 

وفوق ذلك، لا يمكن للأهالي حماية أنفسهم بجهود فردية دائمة، لأن المطلوب إنارة الشوارع، وتكثيف الدوريات، وفتح مسارات علاج، وإزالة بؤر القمامة التي تمنح التعاطي غطاءً بصريًا ومكانيًا.

 

لذلك، تصبح المخدرات في بولاق الدكرور نتيجة لفشل متراكم، لا حادثة منعزلة، فحين يغيب الضوء والنظافة والرقابة، تظهر شبكات صغيرة تستولي على الليل وتكسر شعور السكان بالطمأنينة.

 

الإشغالات والمواصلات العشوائية وخنق الشارع

 

مع ذلك، لا تقف الأزمة عند القمامة والمخدرات، بل تمتد إلى الإشغالات والمواقف العشوائية والميكروباصات المتهالكة والتوك توك الذي يقوده صبية، خصوصًا قرب محطة فيصل ومداخل الشوارع الحيوية.

 

ومن زاوية أخرى، تكشف الميكروباصات القديمة بلا رخصة أو لوحات أو أبواب سليمة حجم الانفلات، فالطريق يصبح مقامرة يومية، والراكب الفقير يدفع ثمن نقل عشوائي لا تحكمه سلامة ولا رقابة.

 

هكذا، تتحول المقاهي التي تحتل الأرصفة ونهر الطريق إلى سلطة موازية داخل الحي، تضع الأقماع والكتل الأسمنتية وتفسد الأسفلت وتفرض ضجيجًا مستمرًا على سكان فقدوا حقهم في الراحة.

 

كما أن انتشار الموتوسيكلات غير المرخصة، سواء البخارية أو الكهربائية، وقيادة الأطفال لها، يكشف سقوط الرقابة قبل وقوع الحوادث، لأن الدولة ترى الخطر بعد الدم لا قبل الفوضى.

 

وعند هذه النقطة، يوضح ديفيد سيمز في نقده للتخطيط العمراني المصري أن المشروعات الكبرى كثيرًا ما تتجاهل حاجات السكان اليومية، وهو ما يظهر في حي شعبي يفتقد أبسط إدارة للشارع.

 

فضلاً عن ذلك، فإن المعاكسات والمشاجرات الناتجة عن احتلال الأرصفة وضعف الرقابة تجعل النساء والفتيات يدفعن كلفة مضاعفة، فالأزمة ليست مرورية فقط، بل اعتداء مستمر على الحق في الحركة الآمنة.

 

في المحصلة، تختصر بولاق الدكرور فشل سلطة تتحدث عن التطوير بينما تترك حيًا كثيفًا تحت حصار النباشين والمخدرات والإشغالات، وتدفع الأهالي إلى الاستغاثة بدل أن تمنحهم إدارة عادلة وأمنًا يوميًا.