ناقشت لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، اليوم الإثنين، طلب إحاطة بشأن عمال الصناديق الخاصة بمحافظة المنيا، بعد أكثر من 15 عاماً من العمل المؤقت والتثبيت الناقص، لتنكشف نتيجة واحدة هي تجميد الحقوق الوظيفية والمالية.
وبينما تتحدث الحكومة عن إصلاح إداري وعدالة اجتماعية، يقف هؤلاء العاملون شاهداً على إدارة تستخدم العمال سنوات طويلة، ثم تتركهم في منطقة رمادية بين التثبيت الشكلي والحرمان الفعلي من الحقوق.
إضافة إلى ذلك، تكشف الواقعة أن الأزمة ليست ملفاً إدارياً محدوداً في محافظة واحدة، بل نموذج لسياسة توسعت في تشغيل البشر عبر أبواب جانبية، ثم تهربت من تكلفة المساواة القانونية.
صناديق خاصة تصنع موظفين بلا حقوق
وأوضح النائب محسن حته أن العاملين بديوان عام محافظة المنيا ومديرياتها يعملون على حساب الصناديق الخاصة، وباشروا مهامهم أكثر من 15 عاماً بعقود مؤقتة قبل تعديل شكلهم التعاقدي عام 2013.
وبالتالي، لم يكن هؤلاء عمالاً عابرين أو موسميين، بل موظفين فعليين يديرون مصالح حكومية يومية، بينما ظلت الدولة تتعامل معهم كعبء مالي يجب تأجيل تسويته لا كحقوق مستحقة.
كما شملت المرحلة الأولى تثبيت 50% منهم بالقرار رقم 335 لسنة 2017، ثم شملت المرحلة الثانية تثبيت النسبة المتبقية بالقرار رقم 473 لسنة 2021، دون إنهاء الأزمة.
غير أن التثبيت الذي انتظره العاملون لم يتحول إلى استقرار حقيقي، لأنهم بقوا على درجات شخصية مستقلة ممولة من الصناديق، لا على درجات دائمة بوزارة المالية تضمن مساراً وظيفياً واضحاً.
ومن ثم، صار القرار الإداري غطاءً لتجميد طويل، فالعامل مثبت على الورق، لكنه محروم عملياً من الترقيات والتسويات وزيادات الأجور والمزايا التي يحصل عليها زملاؤه في الجهة نفسها.
كذلك، يفضح الملف تناقض الجهاز الإداري، إذ يطلب من العاملين أداء واجبات الموظف العام كاملة، ثم يتردد في الاعتراف الكامل بحقوقهم عندما تصل المسألة إلى المال والترقية والدرجة الدائمة.
لذلك، تتحول الصناديق الخاصة من آلية مالية داخل الجهاز الحكومي إلى بوابة لخلق طبقة وظيفية ناقصة الحقوق، تؤدي العمل نفسه داخل المؤسسة نفسها، لكنها لا تحصل على الحماية نفسها.
وفوق ذلك، فإن استمرار هذه الوضعية يضرب مبدأ المساواة داخل المرفق العام، ويزرع إحساساً بالغضب بين موظفين يعملون في المكاتب نفسها، لكن القانون يطبق عليهم بدرجات متفاوتة.
قانون الخدمة المدنية بين النص والتجميد
ينص قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 على تنظيم أوضاع العاملين بالوزارات والمصالح والأجهزة الحكومية ووحدات الإدارة المحلية، وهو ما يجعل استبعاد هؤلاء العاملين من تطبيقه الكامل أزمة قانونية وسياسية.
بناءً على ذلك، لا تبدو مطالب التسوية والترقية وضم مدة الخبرة مطالب فئوية زائدة، بل استحقاقات مرتبطة بمنطق الخدمة العامة، طالما أن العامل يؤدي وظيفة مستمرة داخل جهة حكومية.
إلى جانب ذلك، أكد طلب الإحاطة حرمان العاملين من الترقيات الدورية والتسويات الوظيفية والمزايا المالية السنوية وزيادة الحد الأدنى للأجور، وهو حرمان يضرب العدالة الوظيفية في أصلها.
في هذا السياق، تفيد قراءة كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، بأن الأجر العادل لا ينفصل عن تكاليف المعيشة وكرامة الأسرة، ما يجعل تجميد الأجور انتهاكاً اجتماعياً لا إدارياً فقط.
وعليه، فإن حرمان عمال المنيا من الحد الأدنى للأجور لا يعني نقصاً رقمياً في كشف المرتب فقط، بل يعني دفع أسر كاملة إلى مواجهة الغلاء بأجر متآكل وحقوق مؤجلة بلا نهاية.
من ناحية أخرى، يربط مجدي البدوي، نائب رئيس اتحاد عمال مصر، ملف الحد الأدنى للأجور بضرورة تحقيق توازن حقيقي مع ارتفاع الأسعار والخدمات، وهي زاوية تكشف قسوة تجميد دخول هذه الفئة.
وبهذا المعنى، تصبح الزيادات الحكومية المعلنة مجرد دعاية ناقصة عندما لا تصل إلى كل من يعمل داخل الدولة، لأن العدالة لا تقاس بما يعلن في المؤتمرات بل بما يظهر في كشوف الرواتب.
أما قانونياً، فإن سيرة نجاد البرعي كمحام حقوقي بارز ومدافع عن الفئات المهمشة تدعم زاوية جوهرية في الملف، وهي أن غياب العدالة الإدارية يفتح الباب لانتهاك حقوق اقتصادية واجتماعية أساسية.
برلمان يتحرك متأخراً وحكومة تتهرب من التسوية
رغم مرور سنوات على قرارات التثبيت، لم تصل الأزمة إلى طاولة لجنة القوى العاملة إلا بعد تراكم طويل للغضب، ما يطرح سؤالاً عن دور الرقابة البرلمانية عندما تتحول المعاناة إلى سياسة مستمرة.
ثم إن توجيه طلب الإحاطة إلى رئيس الوزراء ووزير المالية ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة يكشف تعدد الجهات المسؤولة، لكنه يكشف أيضاً سهولة ضياع العمال بين المكاتبات والاختصاصات.
ولذلك، فإن جوهر الحل لا يقف عند توصية برلمانية عامة، بل يتطلب قراراً مالياً وإدارياً واضحاً ينقل العاملين من الدرجات الشخصية إلى درجات دائمة ممولة على نحو منضبط.
إضافة إلى ذلك، يجب تطبيق قانون الخدمة المدنية عليهم كاملاً، لأن بقاءهم داخل الجهاز الحكومي بلا مسار ترقية وتسوية وضم خبرة يعني استمرار عقوبة غير معلنة ضد من خدموا الدولة سنوات.
كما يجب إعادة تسوية الأوضاع المالية وصرف المستحقات المتأخرة، لأن الحقوق المؤجلة لا تفقد قيمتها بمرور الوقت، بل تتحول إلى دين على الدولة تجاه عاملين تحملوا سنوات من الظلم.
في المقابل، لا تستطيع الحكومة التذرع بالعجز المالي كلما تعلق الأمر بأجور صغار العاملين، بينما تتوسع في إنفاق غير منتج ومشروعات دعائية لا تنعكس على حياة الموظف الفقير.
ومن جهة أخرى، فإن إبقاء الصناديق الخاصة خارج رقابة تسوية عادلة يجعلها أداة لإعادة إنتاج التمييز داخل الجهاز الإداري، لا مجرد مصدر تمويل محلي لبعض الأجور والتعاقدات.
هكذا، تصبح أزمة عمال المنيا اختباراً مباشراً لجدية الدولة في احترام القانون الذي أصدرته، فإذا لم تطبقه على العاملين داخل وحداتها، فإن خطاب الإصلاح الإداري يفقد معناه السياسي والأخلاقي.
وفي النهاية، لا يحتاج العاملون على الصناديق الخاصة إلى وعود جديدة، بل إلى قرار ينهي المراوغة، ويعترف بأن من خدم الدولة أكثر من 15 عاماً يستحق وظيفة كاملة وحقوقاً كاملة.

