حذّر مراقبون وخبراء اقتصاديون وعسكريون متقاعدون من موجة تصريحات حكومية وإعلامية متزامنة، تقودها حكومة مصطفى مدبولي ووزير الدولة للإعلام ضياء رشوان ونواب وإعلاميون محسوبون على السلطة، للترويج لما يسمى “تصدير العقار” وفتح الباب أمام تملك الأجانب للعقارات والوحدات السكنية في مصر، باعتباره مدخلاً لجذب الدولار وتنشيط السوق، بينما يرى منتقدون أن هذا التوجه يحمل مخاطر ديموجرافية وأمنية واقتصادية تمس السيادة الوطنية وتضغط على المواطنين داخل بلدهم.

 

وتزامنت الحملة مع حالة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما اعتبر مواطنون وخبراء أن الخطاب الرسمي يتعامل مع الأرض والسكن باعتبارهما سلعة قابلة للبيع بلا حساسية وطنية، متجاهلاً أن العقار ليس مجرد وحدة مغلقة، بل مساحة نفوذ وحضور اجتماعي وسكاني، وأن فتح السوق على مصراعيه أمام القوة الشرائية الأجنبية قد يحول المدن والشواطئ والمناطق الحدودية إلى جيوب مغلقة لا يملك المصريون القدرة على منافستها أو السكن فيها.

 

 

الترويج الحكومي للبيع باسم الدولار

 

بدأت الموجة الأخيرة مع تصريحات مصطفى مدبولي، التي حاول فيها نزع الحساسية عن تملك الأجانب للعقارات في مصر، مؤكداً أن الأمر ليس سلبياً، وأن دولاً كثيرة في العالم والمنطقة تعتمد على جذب الأجانب لشراء الوحدات العقارية، زاعماً أن الأجنبي لا يتملك الأرض ذاتها، بل يتملك العقار، وأن هذا المسار يمكن أن يضيف شريحة جديدة من السائحين والمقيمين وينعش التدفقات الدولارية.

 

وجاء ضياء رشوان ليذهب أبعد في تبسيط المسألة، حين قال إن هذه “ليست أصول الدولة، بل أصول الناس”، متسائلاً عن الضرر في أن يبيع مواطن شقة أو اثنتين أو حتى مليون وحدة سكنية للأجانب، ومعتبراً أن المكاسب على الاقتصاد القومي كبيرة جداً، في خطاب رآه معارضون محاولة لتقزيم قضية سيادية وتحويلها إلى صفقة بيع خاصة بين مالك ومشترٍ.

 

ودخل الإعلامي عمرو أديب على خط الحملة، واصفاً ملايين الوحدات المغلقة بأنها “ثروة معطلة” تحتاج إلى تحريك عبر تصدير العقار، لتوفير السيولة الدولارية وإنعاش السوق، مع تأكيده أن الدولة قوية وقادرة على وضع ضوابط تمنع التملك في المناطق الحساسة، وهي الحجة نفسها التي تبناها نواب داعمون للحكومة، بينهم رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب طارق شكري، الذي اعتبر تملك الأجانب “أمراً محموداً ومرحباً به جداً” ولا يستدعي القلق من أبعاده الديموجرافية.

 

لكن هذه النبرة الرسمية فتحت باباً أوسع للغضب، لأنها بدت في نظر قطاع من المصريين امتداداً لمسار طويل من بيع الأصول والتوسع في الاقتراض والبحث عن الدولار بأي ثمن، دون نقاش مجتمعي حقيقي أو دراسة علنية للمخاطر، خصوصاً أن السكن في مصر أصبح بالفعل عبئاً قاسياً على الطبقات المتوسطة والفقيرة، قبل أن تدخل القوة الشرائية الأجنبية إلى المنافسة.

 

 

 

 

غضب شعبي وتحذيرات من تضارب المصالح

 

قوبلت تصريحات المسؤولين والإعلاميين بسيل من الانتقادات على مواقع التواصل، حيث اعتبرت الناشطة سلوى محمد أن فتح الباب أمام شراء العقارات دون سقف واضح أو قيود صارمة يمثل تهديداً مباشراً، مطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الدفع في هذا الاتجاه، ومعتبرة أن الدولة التي تفرط في أصولها العقارية والسكانية تفرط عملياً في جزء من أمنها الوطني ومستقبل أبنائها.

 

كما واجه مغردون النائب طارق شكري بانتقادات لاذعة، ليس فقط بسبب دفاعه عن الفكرة، بل بسبب خلفيته المهنية المرتبطة بسوق التطوير العقاري، إذ أشار مغردون إلى توليه مواقع استثمارية وعقارية بارزة، بما يطرح تساؤلات حول تضارب المصالح بين من يشرّع أو يدافع داخل البرلمان، ومن يستفيد من تدفق المشترين الأجانب وارتفاع الطلب بالدولار داخل السوق.

 

ويرى منتقدون أن خطورة المشروع لا تكمن فقط في البيع المباشر، بل في غياب الثقة الشعبية في الإدارة السياسية للملف، فالدولة التي لم تفتح نقاشاً جاداً حول بيع الأصول أو الديون أو المشروعات العملاقة، لن يطمئن الناس إلى وعودها بشأن “ضوابط” تملك الأجانب، خصوصاً إذا بقيت تلك الضوابط فضفاضة أو قابلة للتعديل أو خاضعة لمنطق الحاجة العاجلة للدولار.

 

وقارن المدون محمد أحمد بين هذا التوجه وبين بدايات تاريخية معروفة لتحول شراء العقارات والأراضي إلى نفوذ سياسي وسكاني، معتبراً أن الادعاء بأن الوحدات “أصول ناس” وليس “أصول دولة” يتجاهل أن السكن على الشواطئ والمدن الحدودية والمناطق الاستراتيجية ليس معزولاً عن الأمن القومي، وأن تراكم الملكيات الأجنبية يمكن أن يصنع بمرور الوقت تجمعات مغلقة ذات تأثير اجتماعي وسياسي.

 

وتتضاعف المخاوف مع الحديث عن الساحل الشمالي والبحر الأحمر وسيناء والمدن الجديدة، حيث لا ينظر الرافضون إلى العقار بوصفه شقة فقط، بل بوصفه موضع إقامة وتمركز ونفوذ، ما يعني أن البيع الواسع دون قيود قد يحول مساحات حساسة إلى أسواق مفتوحة لمن يملك العملة الصعبة، بينما يتحول المصري إلى عامل أو خادم أو مستأجر داخل مناطق كان يفترض أن تكون جزءاً من مجاله الطبيعي.

 

 

 

 

الخطر الاقتصادي والسيادي على السوق والمواطن

 

قدم الخبير الاقتصادي الدكتور رضا عبد السلام قراءة أكثر حدة، محذراً من التعامل مع أرض مصر وعقاراتها كملف استثماري عادي، ومؤكداً أن التوسع في تمليك الأجانب قد يجعل المصريين غرباء داخل بلدهم، خاصة في ظل أزمة إقليمية مشتعلة وحزام توتر يحيط بمصر من أكثر من اتجاه، وهو ما يجعل البعد الديموجرافي والأمني حاضراً بقوة لا يمكن تجاهله.

 

وأوضح عبد السلام أن المشتري الأجنبي لن يضخ الدولار فقط، بل قد يعيد لاحقاً بيع العقار بسعر أعلى، ويجمع دولارات أكثر من السوق المحلي ليخرج بها إلى بلده، ما يعني أن العملية قد تتحول من تدفق مؤقت للعملة إلى نزيف لاحق، بالتوازي مع إشعال أسعار العقارات ورفع سقف المنافسة فوق قدرة المصريين أصحاب الدخول الثابتة والمحدودة.

 

وتتفق هذه القراءة مع مخاوف مدنية واسعة ترى أن العقار في مصر لم يعد في متناول قطاع كبير من المواطنين، وأن دخول المشترين الأجانب بكثافة سيزيد المضاربة ويعمق الفجوة بين الأسعار والدخول، خصوصاً في المدن الجديدة والمناطق الساحلية، حيث يمكن أن تتحول الوحدات من حق اجتماعي وسكني إلى أداة مالية دولية للمضاربة وتخزين القيمة.

 

ودعا عبد السلام إلى توجيه الدولة نحو الاقتصاد الحقيقي، لا بيع المساحات والوحدات، عبر دعم الزراعة والصناعة والطاقة والصناعات المتقدمة وصناعة السيارات، مع الاكتفاء بحق الانتفاع طويل الأجل أو عقود الشراكة في المناطق الصناعية، بحيث تبقى الأرض أصلاً وطنياً للأجيال، بدلاً من تحويل الأزمة المالية الحالية إلى تفريط دائم في ملكية المكان.

 

وفي السياق نفسه، انتقد اللواء عبد الغفار أبو العطا الطريقة العشوائية في طرح الملف، مطالباً بقانون واضح وصارم يحدد ضوابط تملك الأجانب للأصول المصرية، ومعتبراً أن التصريحات الإعلامية المنفلتة لا تصلح لإدارة قضية ترتبط بالأمن القومي، لأن الدول العريقة لا تترك مثل هذه الملفات للتهوين أو الاستعراض، بل تحكمها بقوانين دقيقة تراعي السيادة والاقتصاد والتركيبة السكانية.

 

كما حذر تقرير صادر عن المجلس الثوري المصري من أن التوسع غير المدروس في بيع الأصول وتصدير العقارات يدخل ضمن مسار تجفيف منابع القوة الشاملة للدولة، عبر إغراق البلاد في الديون وفتح أبواب الأزمات الديموجرافية والاقتصادية، دون الحاجة إلى حرب مباشرة، ما يجعل الملف جزءاً من معركة أوسع حول مستقبل السيادة الوطنية.

 

وبينما تواصل الحكومة تسويق الفكرة باعتبارها حلاً سريعاً لأزمة الدولار، يرى المعارضون أن الدولة لا تعالج المرض بل تبيع أجزاء من الجسد لتأجيل الانهيار، وأن كل دولار يدخل من بيع العقار قد يقابله ثمن اجتماعي وأمني باهظ، يدفعه المواطن حين يجد نفسه مطروداً من سوق السكن، ومحاصراً داخل وطن يتقلص لصالح من يدفع أكثر.