تواجه آلاف الأسر يوميًا على الطريق الدائري بالقاهرة خطر العبور وسط سرعات تصل إلى 90 كيلومترًا، بعد سنوات من التوسعة، لتتحول محدودية الكباري والأنفاق إلى سبب مباشر لحوادث دهس مميتة.

 

سياسيًا وإنسانيًا، تكشف الأزمة دولة تبني حارات جديدة للسيارات وتنسى الإنسان الواقف على حافة الطريق، كأن المواطن الفقير الذي يعبر سيرًا على قدميه خارج حسابات التخطيط والكرامة والسلامة.

 

 

طريق سريع بلا حق للمشاة

 

بداية، أنشئ الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى لتخفيف التكدس وربط المحافظات، لكنه تحول مع التوسع العمراني إلى حاجز خرساني يفصل السكان عن المدارس والعمل والمواصلات والخدمات اليومية.

 

وبالتالي، لم يعد العبور مخاطرة فردية ناتجة عن تهور شخصي، بل نتيجة تصميم عمراني ومروري يضع السيارة في المركز، ويترك المشاة يختارون بين الالتفاف الطويل أو الموت السريع.

 

كما أن الطريق الذي بدأ تنفيذه عام 1986 واكتمل عام 2005 بطول يقارب 100 كيلومتر، صار يستوعب أكثر من 100 ألف مركبة يوميًا، وفق بيانات تعريفية منشورة عن المشروع.

 

لزيادة الكارثة، جاءت توسعات الطريق الأخيرة لرفع الطاقة الاستيعابية إلى سبع وثماني حارات في بعض القطاعات، بينما بقيت معابر المشاة أقل من احتياج السكان المتراكم حول جانبي الدائري.

 

لذلك، تظهر السلالم الخشبية البدائية كوثيقة إدانة لا كحل شعبي، فهي تقول ببساطة إن الأهالي اخترعوا طريقهم فوق الخطر، بعدما غابت الدولة عن أبسط حق في العبور الآمن.

 

ومن ثم، فإن كل عابر يركض بين السيارات ليس مخالفًا فقط، بل ضحية تخطيط لم يقرأ خريطة البشر، ولم يحسب حركة الأطفال وكبار السن والعمال والطلاب والنساء على جانبي الطريق.

 

غير أن استشاري هندسة الطرق والنقل الدكتور عماد الدين نبيل يؤكد أن معابر المشاة جزء أساسي من التخطيط، وأن غيابها يستدعي حلولًا مؤقتة حتى يتم تنفيذ المعابر الدائمة الآمنة.

 

 

أرقام الحوادث تكذب خطاب التطوير

 

علاوة على ذلك، لا يمكن فصل أزمة الدائري عن المشهد الأوسع لحوادث الطرق في مصر، فقد سجل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 76362 إصابة في حوادث الطرق عام 2024.

 

بناءً على ذلك، فإن الحديث الحكومي عن تطوير الطرق يفقد معناه إذا بقيت الإصابات بالآلاف، لأن الطريق لا يقاس فقط بعدد الحارات، بل بعدد الأرواح التي يحميها من الموت.

 

في المقابل، تشير تقارير إلى أن الدائري والدائري الإقليمي يشهدان حوادث تصادم سنوية خطيرة، بينما تبقى تفاصيل الحوادث المرتبطة بالمشاة أقل وضوحًا في البيانات العامة المنشورة للمواطنين.

 

ومن ناحية أخرى، فإن غياب بيانات دقيقة ومعلنة عن أماكن دهس المشاة على الدائري يمنع وضع حلول هندسية عادلة، ويحوّل الدماء إلى أرقام متناثرة لا تصنع سياسة عامة.

 

كذلك، يرى أستاذ النقل ديفيد ليفنسون أن تقييم أنظمة النقل يجب أن يعتمد على الوصول والاعتمادية وخدمة الناس، لا على البنية الصلبة وحدها أو الإعجاب بالتوسعات الهندسية.

 

إلا أن ما يحدث على الدائري يعكس منطقًا معاكسًا، فالوزارة تحتفي بتوسعة الطريق والأتوبيس الترددي والنقل الذكي، بينما يمشي المواطن على سلم خشبي أو يعبر بين الشاحنات والسيارات المسرعة.

 

ثم إن منظومة النقل الذكي لا تصبح ذكية إذا تجاهلت المشاة، لأن الكاميرات والرادارات لن تمنع الموت إذا ظل الإنسان مضطرًا لعبور طريق سريع بلا كوبري قريب أو نفق مناسب.

 

وفوق ذلك، فإن الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة هم الأكثر تضررًا، لأن العبور العشوائي ليس خيارًا متاحًا لهم أصلًا، بينما المسافات الطويلة إلى المعابر القائمة قد تعني عزلة يومية.

 

 

من يتحمل مسؤولية الدم على الأسفلت؟

 

على صعيد المسؤولية، لا يكفي تحميل المواطن ذنب العبور، لأن الدولة تعرف منذ سنوات أن التجمعات السكنية التصقت بجانبي الدائري، وأن الحاجة اليومية للانتقال لم تعد استثناءً.

 

وبينما تتحدث الحكومة عن إزالة تعديات وتطوير حرم الطريق، يبقى السؤال: لماذا لم يسبق التوسع العمراني والمروري حصر دقيق لاحتياجات المشاة ومعابرهم، بدل انتظار السلالم الخشبية والحوادث.

 

أما الخبيرة الدولية جانيت صادق خان، فقد شددت في تجاربها لإدارة شوارع نيويورك على أن سلامة الطرق تبدأ من إعادة توزيع المساحة لصالح البشر، لا ترك الشارع للسيارات وحدها.

 

فضلاً عن ذلك، فإن فلسفة “الرؤية صفر” العالمية تقوم على أن وفيات الطرق ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة قابلة للمنع بتصميم آمن وسرعات منضبطة ومعابر واضحة وإنفاذ عادل.

 

ومع ذلك، تبدو إدارة الدائري في مصر أسيرة منطق الإسعاف بعد الحادث، لا الوقاية قبله، فتظهر الحلول بعد الغضب الشعبي، بينما كان يمكن تحديد النقاط السوداء مسبقًا.

 

من هنا، يجب إعلان خريطة عاجلة للمناطق الأكثر احتياجًا لمعابر، خصوصًا قرب المدارس والجامعات والمواقف والمستشفيات والأسواق والتجمعات السكنية، مع جدول زمني واضح لا وعود إنشائية.

 

كذلك، يمكن توفير وسائل انتقال مؤقتة بين جانبي الطريق، وتشغيل نقاط عبور مؤمنة، وإجبار المنشآت الكبرى المستفيدة من الكثافة على المشاركة في تمويل كباري وأنفاق تخدم زوارها والعاملين بها.

 

في النهاية، مأساة الدائري ليست أن الناس يعبرون خطأ، بل أن الدولة صممت طريقًا ينجح في مرور السيارات ويفشل في عبور البشر، ثم تتعجب من الدماء على الأسفلت.

 

وبذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس كم حارة أضيفت للطريق، بل كم كوبري مشاة غاب، وكم نفق لم يُبنَ، وكم مواطن سيدفع حياته ثمن تطوير لا يراه إنسانًا.