امتنع محصلو الفواتير وقارئو العدادات بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقاهرة في أفرع بهتيم ومصر الجديدة والحي العاشر، لليوم الثاني، عن التحصيل، مطالبين بالتثبيت وضم علاوات متأخرة منذ 2016، لتتراجع الإيرادات اليومية بأكثر من 80%. .
سياسيا، لا يظهر الإضراب كأزمة إدارية عابرة، بل كصرخة من عمال يحملون مرفقا حيويا بينما تتركهم الدولة في الهامش. فالمياه تصل إلى البيوت، لكن من يحصّل فواتيرها يعيش بلا أمان وظيفي ولا أجر عادل.
إضراب التحصيل يكشف هشاشة المرفق
وبالتالي، فإن توقف التحصيل في ثلاثة أفرع رئيسية لم يكن مجرد احتجاج محدود، بل رسالة عملية بأن المرفق لا يعمل بالمديرين والمنشورات وحدهم. حين يغيب المحصل والقارئ والمشرف، تهبط الإيرادات وتظهر قيمة العمال المخفية.
كما أن انضمام مشرفي التحصيل إلى المحتجين أعطى الإضراب ثقلا إضافيا، لأنه كشف أن الأزمة لا تخص فئة معزولة. الغضب هنا ممتد داخل حلقات العمل اليومية، من القراءة إلى المتابعة إلى التحصيل الميداني.
لزيادة الضغط، رفع العمال شعارات تطالب بالعدالة وتأمين المستقبل الوظيفي، محذرين من استمرار الإضراب إذا واصلت الإدارة سياسة التسويف. هذه اللغة تعكس شعورا بأن الوعود القديمة تحولت إلى أداة تهدئة لا حل حقيقي.
لذلك، بدا منشور الشركة القابضة عن زيادة حوافز مؤقتة وإعفاء المحصلين من بصمة الانصراف واحتساب تحصيلات فوري ضمن المستهدف، محاولة لاحتواء الغضب لا معالجة جذوره، لأن مطلب العمال الأساسي يتعلق بالأجر والتثبيت.
ومن ثم، يرفض المحتجون اختزال القضية في حوافز تحصيلية، لأن الأزمة بدأت مع عدم ضم العلاوات الدورية والاستثنائية الصادرة منذ 2016 إلى الأجور الأساسية، ما أدى إلى تجميد الرواتب وخلط أقدميات العمال.
غير أن المفارقة الأشد أن العامل القديم الذي قضى نحو 20 عاما في الخدمة يجد أجره قريبا من المعين الجديد بعد تطبيق الحد الأدنى. هنا لا يصبح الحد الأدنى إنصافا، بل دليلا على ظلم قديم.
علاوات معلقة وأجور مجمدة منذ سنوات
علاوة على ذلك، تكشف وثائق لجنة الإسكان بمجلس النواب أن الأزمة ليست شائعة عمالية، فقد ناقشت اللجنة عدم ضم العلاوات الخاصة والاستثنائية من 2016 حتى 2025، وتجميد الأجور الأساسية، وعدم تطبيق التدرج الوظيفي.
بناء على ذلك، أوصت اللجنة الشركة القابضة بإعداد دراسة مالية وتشريعية لحساب التكلفة الفعلية لضم العلاوات المتأخرة، والبحث عن آليات تمويل تنهي الاحتقان، وهو اعتراف برلماني بأن المشكلة مركبة وليست مطلبا مبالغا فيه.
في المقابل، يتقاضى العمال دخولا تتراوح غالبا بين 5 و6 آلاف جنيه شهريا، مع حرمان من مزايا مثل الأرباح السنوية. هذه الأرقام تجعل الحديث عن الاستقرار الوظيفي مسألة بقاء، لا رفاهية نقابية.
ثم إن نسب التحصيل المطلوبة التي تصل إلى 90% تجعل المكافآت العالية بعيدة عن كثير من العمال، خاصة في ظروف اقتصادية ضاغطة. فالعامل مطلوب منه تحصيل شبه كامل، بينما تظل حقوقه الأساسية ناقصة ومؤجلة.
من ناحية أخرى، يرى كمال عباس، منسق دار الخدمات النقابية والعمالية، أن الحد الأدنى للأجور الحالي لا يكفي أسرة، وأن ربطه بالتضخم وسلة الاستهلاك شرط غائب محليا، وهو ما يفسر انفجار غضب العمال. .
إلى جانب ذلك، يصف الدكتور أحمد البرعي الحد الأدنى للأجر بأنه حد الكرامة، مؤكدا أنه لا يجوز إنسانيا أو قانونيا أن يعمل شخص بأقل منه، وهي قاعدة تضرب جوهر أوضاع المؤقتين والمجمدين ماليا. .
وبهذا المعنى، تصبح مطالب عمال المياه امتدادا لفكرة الحق في الكرامة، لا مجرد نزاع حول مفردات مرتب. فالعلاوة غير المضمومة تعني معاشا أقل، وحافزا أقل، ومستقبلا أكثر هشاشة للعامل وأسرته.
التثبيت وأحكام القضاء في مواجهة التسويف
فضلا عن ذلك، يرفع العمال مطلب التثبيت وتحرير عقود عمل مستقرة لآلاف المحصلين والمؤقتين، لأن العقد المؤقت في مرفق حيوي يعني خوفا دائما من الإقصاء، رغم استمرار بعضهم في العمل لسنوات طويلة.
ومن جهة أخرى، يؤكد العمال أن بعضهم حصل على أحكام قضائية واجبة النفاذ بالتثبيت وضم العلاوات، لكن الإدارة لم تنفذها بدعوى وجود مشكلات مالية وقانونية. هكذا يتحول الحكم القضائي إلى ورقة معلقة بلا أثر.
كذلك، وثقت دار الخدمات النقابية والعمالية وقفات سابقة لمحصلين وقراء عدادات في مياه القاهرة للمطالبة بالحوافز والتثبيت والتدرج في تطبيق الحد الأدنى، ما يؤكد أن الإضراب الحالي نتيجة تراكم لا انفجار مفاجئ.
في السياق ذاته، شهدت شركة مياه القليوبية احتجاجات مشابهة انتهت بتعليق العمال تحركاتهم بعد وعود من الإدارة، وهو ما يمنح عمال القاهرة خبرة قاسية: الوعود قد تهدئ الأزمة مؤقتا لكنها لا تسدد الحقوق.
أما مجدي البدوي، نائب رئيس اتحاد عمال مصر، فأكد في سياقات الأجور أن الحد الأدنى لم يصل إلى حد الكفاف، وأن تطبيق الزيادات يواجه تأجيلا واستثناءات، وهو ما يعكس فجوة بين القرار والتنفيذ.
وعلى المستوى القانوني، يشير أحمد البرعي إلى أن القضاء قدم تفسيرا تقدميا لحماية العمال في قانون العمل، ما يجعل تجاهل الأحكام أو تعطيلها إضعافا لمبدأ الحماية الاجتماعية لا مجرد خلاف إداري.
ومن زاوية نقابية، تكشف الأزمة عجز التنظيم الرسمي عن امتصاص الغضب قبل الوصول إلى الإضراب. فلو كانت قنوات التفاوض فعالة، لما اضطر محصلو الفواتير وقراء العدادات إلى وقف التحصيل لإجبار الإدارة على الاستماع.
وبعبارة أخرى، فإن مرفق المياه الحيوي لا يهدده العمال حين يطالبون بحقوقهم، بل يهدده من يراكم المستحقات ويؤجل التثبيت ثم يطلب انتظام العمل. العدالة هنا شرط لاستمرار الخدمة لا عبء عليها.
وعليه، فإن استمرار الإضراب سيضع الشركة أمام اختبار صعب: إما تقديم جدول واضح لتنفيذ العلاوات والتثبيت واحترام الأحكام، أو ترك الإيرادات تنزف والغضب يتوسع إلى أفرع أخرى داخل القاهرة وربما خارجها.
أخيرا، لا يمكن مطالبة عامل يقرأ عدادات الناس بتحمل الغلاء وهو عاجز عن قراءة مستقبل أسرته. أزمة مياه القاهرة تقول إن الدولة التي تؤجل حقوق عمال المرافق، تؤجل استقرار المرفق نفسه وتفتح باب الاحتجاج.
وفي النهاية، تكشف الواقعة أن العمال لم يغلقوا المرفق، بل فتحوا ملفا مسكوتا عنه منذ 2016. وإذا لم تتحول التوصيات البرلمانية إلى قرارات تنفيذية، ستبقى الحوافز المؤقتة مجرد مسكن فوق جرح مفتوح.

