كشفت مؤسسة ديوان العمران، في مصر، عن نزع ملكية 88,769 فدانا و19,627 عقارا و32,533 قطعة أرض و110,537 وحدة سكنية خلال الفترة من يناير 2021 حتى ديسمبر 2025، بما مس نحو 546,077 مواطنا لصالح 525 مشروعا.

 

وتضع هذه الأرقام ملف نزع الملكية في قلب أزمة اجتماعية مباشرة، لأن الحكومة حوّلت “المنفعة العامة” إلى أداة واسعة لإعادة تشكيل العمران، بينما واجه المواطنون تأخر التعويضات وتآكل قيمتها وغياب الضمانات الكافية بعد فقدان السكن والأرض.

 

اعتمدت الدراسة على قاعدة بيانات كمية ومكانية لرصد القرارات الرسمية والمشروعات المرتبطة بالاستحواذ العقاري والتوسع العمراني، من خلال الجريدة الرسمية والوقائع المصرية وقرارات مجلس الوزراء والوزارات والمحافظين والمصادر المفتوحة.

 

كما استخدمت مؤسسة ديوان العمران الأرشيف الصحفي والمصادر الرقمية والتحقق الجغرافي عبر صور الأقمار الصناعية والخرائط الرقمية، حتى لا تبقى قرارات نزع الملكية مجرد نصوص إدارية منفصلة عن آثارها على السكان.

 

وطورت الدراسة نموذجا تقديريا لمعالجة نقص البيانات الرسمية، مستندا إلى تعداد السكان والإسكان لعام 2017 والتحليل المكاني للمشروعات، وهو ما سمح بتقدير الأسر المتضررة والوحدات السكنية والعقارات وقطع الأراضي.

 

أرقام نزع الملكية تكشف حجم الخسارة الاجتماعية

 

رصدت الدراسة 525 مشروعا لنزع الملكية خلال 5 أعوام، وأسفرت هذه المشروعات عن نزع 88,769 فدانا مملوكة لنحو 136,519 أسرة، بإجمالي يقارب 546,077 شخصا، في رقم يكشف اتساع الضرر خارج حدود الملكية الورقية.

 

وسجلت الوحدات السكنية المتضررة أعلى الأرقام بإجمالي 110,537 وحدة، بينما وصل عدد العقارات المنزوعة إلى 19,627 عقارا، وبلغت قطع الأراضي المتضررة 32,533 قطعة، بما يوضح أن الأزمة مست السكن والعمل والحيازة معا.

 

وبلغت موجة نزع الملكية ذروتها في عام 2022، بعدما سجلت الدراسة 171 مشروعا، مقابل 117 مشروعا عام 2021، قبل أن تتراجع الأعداد إلى 98 مشروعا في 2023 و80 في 2024 و59 في 2025.

 

لكن هذا التراجع العددي لا يعني انحسار الضرر، لأن المؤشر المركب لشدة نزع الملكية أظهر أن سنوات الذروة حملت تأثيرات بشرية وعمرانية أكبر، خصوصا مع مشروعات الطرق والمحاور والتطوير العمراني واسع النطاق.

 

وسجل مؤشر ديوان العمران لشدة نزع الملكية 1,767.58 نقطة في 2022، مقابل 1,358.79 نقطة في 2021، ثم تراجع إلى 974.90 نقطة في 2023 و807.76 في 2024 و622.18 في 2025.

 

وتكشف هذه القراءة أن الحكومة نفذت في السنوات الأولى من الفترة محل الدراسة أكبر موجة تدخل عمراني، ليس بعدد المشروعات فقط، بل بحجم ما مس السكان والمنازل والأراضي داخل مناطق مكتظة.

 

وفي هذا السياق، يحذر الباحث العمراني يحيى شوكت، المؤسس المشارك في عشرة طوبة، من أن سياسات السكن غير المنضبطة تفتح الباب لأزمات تهجير واسعة، وهو رأي يخدم فهم أثر نزع الملكية على الأمن السكني.

 

ويمنح هذا التحذير بعدا أوضح لأرقام ديوان العمران، لأن فقدان المنزل أو الأرض لا يتحول تلقائيا إلى تعويض عادل، بل يتحول في حالات كثيرة إلى انتقال قسري نحو سوق سكن أغلى وأقل أمانا.

 

القاهرة والجيزة والدلتا.. الكثافة السكانية تضاعف أثر النزع

 

أظهرت الدراسة تركيزا واضحا للمشروعات داخل إقليم القاهرة الكبرى وإقليم الدلتا، حيث استحوذ الإقليمان على العدد الأكبر من المشروعات، بينما تصدرت مطروح المحافظات من حيث المساحات المنزوعة بإجمالي 49,939 فدانا.

 

وجاء تصدر مطروح بسبب المشروعات الاستثمارية والساحلية الكبرى، وعلى رأسها مشروع رأس الحكمة، ما يوضح أن نزع الملكية لم يعد مرتبطا بالخدمات الأساسية فقط، بل دخل أيضا في قلب التوسع الاستثماري الساحلي.

 

ورغم ضخامة المساحات في مطروح، سجلت القاهرة أعلى قيمة على مؤشر شدة نزع الملكية بإجمالي 1,086.16 نقطة، تلتها الجيزة بـ784.72 نقطة، بسبب الكثافة السكانية والعمرانية للمناطق المستهدفة بالمشروعات.

 

كما سجلت المنوفية والغربية مستويات مرتفعة نسبيا من الشدة رغم محدودية المساحات المنزوعة، لأن عمليات النزع تمت داخل كتل حضرية كثيفة، حيث تؤدي مساحة صغيرة إلى ضرر اجتماعي واسع.

 

وتؤكد بيانات المتضررين هذا الخلل، إذ تركز أغلبهم داخل القاهرة الكبرى، وسجلت القاهرة وحدها 201,639 شخصا متضررا، بينما سجلت الجيزة 157,476 شخصا، في مؤشر مباشر على ضغط المشروعات على السكان.

 

وبجانب المحافظات الكبرى، تصدرت المشروعات الإقليمية العابرة للمحافظات مصادر التأثير الاجتماعي، بعدما تسببت في تضرر نحو 86,904 أشخاص، بسبب المحاور والطرق الخطية التي تمر عبر ملكيات متفرقة ومناطق مأهولة.

 

ويرى المحامي محمد عبد العال، الخبير في تشريعات السكن وحقوق الإنسان، أن المنفعة العامة لا تلغي حماية الملكية الخاصة، وأن التعويض القانوني لا يصبح حلا حقيقيا إذا لم يمكن المواطن من سكن مناسب.

 

ويضع هذا الرأي القانوني أزمة التعويضات في موضعها الصحيح، لأن الخلاف لا يدور حول حق الدولة في تنفيذ مشروعات عامة، بل حول تحويل هذا الحق إلى ضرر دائم لأصحاب الملكيات المنزوعة.

 

كما شدد عبد العال في طرحه على ضرورة توفير سكن بديل مناسب قبل الإزالة أو الإخلاء، وهو شرط يكشف غياب البعد الإنساني عندما يحصل المواطن على تعويض متأخر لا يشتري بديلا مشابها.

 

الطرق والمدن الجديدة تقود النزع.. والتعويضات تصل البرلمان متأخرة

 

احتل قطاع الطرق والكباري المركز الأول في شدة نزع الملكية بإجمالي 1,655.40 نقطة، كما سجل العدد الأكبر من المشروعات بـ157 مشروعا، بسبب التوسع الكبير في المحاور المرورية والطرق الإقليمية.

 

وجاء قطاع الأبنية التعليمية في المرتبة الثانية بـ1,352.81 نقطة، رغم محدودية المساحات المنزوعة المرتبطة به، بسبب تعدد الملكيات في مشروعات المدارس المؤجرة وتشابك الوحدات والعقارات داخل المناطق القائمة.

 

أما قطاع التنمية العمرانية والإسكان، فسجل أعلى المساحات المنزوعة وعدد المتضررين، بإجمالي 49,415 فدانا ونحو 271,254 شخصا، مدفوعا بمشروعات المدن الجديدة والتطوير العمراني واسع النطاق.

 

وسجل قطاع الشرب والصرف والاستزراع 1,010.72 نقطة على مؤشر الشدة، بينما جاءت الخدمات العامة والنقل العام والجراجات العامة ضمن القطاعات الأقل نسبيا، مقارنة بقطاعات الطرق والإسكان والتعليم.

 

وتقدمت وزارة التنمية المحلية الجهات الحكومية من حيث شدة نزع الملكية بـ1,720.48 نقطة، تلتها وزارة النقل بـ1,393.84 نقطة، ثم وزارة التربية والتعليم بـ1,292.28 نقطة، بما يكشف دور المحليات والنقل في قيادة النزع.

 

في المقابل، سجلت وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية أعلى مساحة جغرافية منزوعة بإجمالي 41,587 فدانا، بينما سجلت وزارة النقل أعلى عدد متضررين بنحو 306,448 شخصا، بسبب مشروعات الطرق والمحاور.

 

ويقول المخطط العمراني والاقتصادي ديفيد سيمز إن الحكومات العربية تحتاج إلى تمكين الفقراء عبر أحياء قانونية ميسورة بدلا من التركيز على مخططات فائقة الحداثة، وهو طرح يصطدم بمسار المدن الجديدة المكلف.

 

وتخدم قراءة سيمز هذا الملف لأن توسع الحكومة في الطرق والمدن والمشروعات الكبرى لا يضمن العدالة السكنية، إذا جرى على حساب ملاك صغار وأسر لا تملك قدرة حقيقية على تعويض الخسارة.

 

وتحول الملف إلى سؤال برلماني بعدما قدم النائب حسام حسن الخشت، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، طلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء وعدة وزراء بشأن كفاءة منظومة تعويضات نزع الملكية.

 

وقال الخشت إن التوسع الكبير في البنية التحتية والمشروعات القومية ترافق مع زيادة شكاوى المواطنين من تأخر صرف التعويضات، وعدم تناسب قيمتها مع الأسعار السوقية، وتآكل قيمتها بفعل التضخم وارتفاع الأسعار.

 

واستند النائب إلى دراسة ديوان العمران التي رصدت نزع 88,769 فدانا لصالح 525 مشروعا وتضرر أكثر من 136 ألف أسرة، معتبرا أن هذه الأرقام تفرض مراجعة آليات التقييم والصرف.

 

وطالب الخشت الحكومة بالكشف عن أسباب تأخر صرف التعويضات، ومدى الالتزام بالمدد القانونية، وآليات تحديث القيم بما يراعي التضخم، والإجراءات التي تضمن حصول المواطنين على حقوقهم كاملة دون انتقاص.

 

وتكشف خطوة الخشت أن ملف التعويضات لم يعد شكوى محلية متفرقة، بل أصبح أزمة مرتبطة بنموذج إدارة المشروعات العامة، حيث تنزع الدولة الملكية بسرعة وتترك المواطن في مواجهة إجراءات بطيئة وأسعار متغيرة.

 

وتنتهي حصيلة ديوان العمران إلى نتيجة واضحة، وهي أن نزع الملكية في مصر تجاوز الإجراء الإداري إلى عملية إعادة تشكيل اجتماعي وعمراني، مست مئات الآلاف تحت شعار المنفعة العامة.

 

وتزداد خطورة هذه النتيجة لأن الحكومة استخدمت أدوات قانونية وإدارية واسعة في بيئة تضخم مرتفع وسوق عقار منفلت، ما جعل التعويض المتأخر أقرب إلى خسارة مضاعفة لا إلى جبر ضرر.

 

وفي النهاية، لا تكشف الأرقام عن تنمية مجانية الكلفة، بل تكشف عن مواطنين دفعوا ثمن الطرق والمحاور والمدن الجديدة من بيوتهم وأراضيهم، ثم انتظروا تعويضات لا تلاحق أسعار السوق ولا تحفظ الاستقرار.