تواجه إسرائيل موجة غير مسبوقة من العزلة الدولية والمقاطعة السياسية والاقتصادية والأكاديمية، في ظل اتساع نطاق العقوبات التي تستهدف وزراء في حكومة بنيامين نتنياهو، ومستوطِنين، ومنظمات داعمة للاستيطان، وكيانات إسرائيلية مرتبطة بالجامعات والاقتصاد والثقافة، بما يعكس تحولا واضحا في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع السياسات الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023.
ولم تعد المقاطعة محصورة في حملات تضامن شعبية أو مواقف رمزية من فنانين وناشطين، بل تحولت تدريجيا إلى مسار منظم تشارك فيه دول غربية ومؤسسات دولية وصناديق استثمارية وجهات أكاديمية، وسط تقديرات إسرائيلية بأن تل أبيب باتت تقترب من صورة “الدولة الأكثر مقاطعة في العالم”، في مشهد يضغط بقوة على الحكومة الإسرائيلية داخليا وخارجيا.
وبحسب ما نقلته صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، فإن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، المعروفة اختصارا باسم “بي دي إس”، اكتسبت زخما واسعا خلال الشهور الماضية، بعدما وجدت دعما متزايدا من دول ومنظمات إقليمية ودولية، في وقت عجزت فيه الحكومة الإسرائيلية عن احتواء التداعيات أو تقديم استراتيجية دبلوماسية فعالة لمواجهة هذا التدهور المتسارع في صورتها العالمية.
من المقاطعة الرمزية إلى الضغط الاقتصادي
في السابق، كانت إسرائيل تتعامل مع حملات المقاطعة باعتبارها تحركات محدودة يمكن احتواؤها عبر العلاقات السياسية والاقتصادية القوية مع الولايات المتحدة وأوروبا، إلا أن المشهد تبدل بوضوح خلال الفترة الأخيرة، مع انتقال الضغط من المجال الأكاديمي والثقافي إلى ساحات الاقتصاد والاستثمار والتعاون العلمي.
وأصبح الحديث داخل إسرائيل لا يدور فقط حول إلغاء حفلات فنية أو رفض كتاب ترجمة أعمالهم إلى العبرية، بل عن إجراءات أكثر خطورة، مثل سحب استثمارات صناديق كبرى، وإدراج شركات وجهات إسرائيلية في قوائم سوداء، وتقييد التعاون مع مؤسسات أكاديمية وعلمية إسرائيلية في عدد من العواصم الأوروبية.
وتشير التحركات الأخيرة إلى أن الهدف لم يعد إرسال رسالة احتجاج أخلاقية فقط، بل ممارسة ضغط فعلي على البنية الاقتصادية والسياسية الإسرائيلية، خاصة مع تزايد الدعوات إلى مراجعة الاستثمارات المرتبطة بالاستيطان أو الصناعات التي تخدم الاحتلال في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
كما ظهرت آثار هذه الموجة في المجال الرياضي والثقافي، مع محاولات لإبعاد إسرائيل عن مسابقات دولية مثل “يوروفيجن” أو الضغط باتجاه تحجيم حضورها داخل المؤسسات الرياضية، وهي تحركات ترى تل أبيب أنها باتت أخطر من حملات سابقة، لأنها تخرج من نطاق النشطاء إلى مستوى الدول والاتحادات والمؤسسات الكبرى.
عقوبات على وزراء ومستوطنين.. ورسائل أوروبية حادة
تزامنا مع التصعيد الدبلوماسي، بدأت دول غربية في اتخاذ خطوات مباشرة ضد شخصيات إسرائيلية متهمة بالتحريض على العنف أو دعم الاستيطان في الضفة الغربية، وهي إجراءات تعكس انتقال الغضب الدولي من مستوى الإدانة اللفظية إلى مستوى العقوبات الفردية والقيود المالية وحظر الدخول.
وفي هذا السياق، برزت فرنسا كأحد الأطراف الدافعة باتجاه تشديد الضغوط على وزراء اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية، بعدما أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو منع وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش من دخول البلاد، على خلفية مواقفه الداعمة لضم الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات.
وجاءت هذه الخطوة بعد إجراءات مشابهة طالت وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي أصبح بدوره هدفا لضغوط متزايدة بسبب تصريحاته وسياساته تجاه الفلسطينيين، إضافة إلى مواقفه من ناشطي “أسطول الصمود”، التي فجرت أزمات دبلوماسية مع فرنسا وإيطاليا ودول أخرى.
ولم تقف الإجراءات عند فرنسا وحدها، إذ أعلنت بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا خطوات تشمل حظر دخول وعقوبات مالية على شخصيات ومنظمات ضالعة في دعم عنف المستوطنين، بما يعكس اتجاها غربيا متزايدا للتعامل مع عنف المستوطنين باعتباره ملفا يستوجب المساءلة لا الاكتفاء بالتحذير.
وتترقب إسرائيل اجتماعات الاتحاد الأوروبي، في ظل مخاوف من اتساع دائرة العقوبات لتشمل شخصيات سياسية إضافية داخل الحكومة، وربما تمتد لاحقا إلى مجالات تعاون أكثر حساسية، خاصة إذا استمرت الحكومة الإسرائيلية في سياسات الاستيطان والضم والتصعيد العسكري.
حكومة نتنياهو أمام أزمة شرعية دولية
رغم نفي مسؤولين إسرائيليين وجود خطر فوري بفرض عقوبات اقتصادية شاملة، فإن القلق داخل تل أبيب يتزايد من أن الموجة الحالية لا تستهدف الضغط من أجل العودة إلى المفاوضات السياسية فقط، بل تسعى إلى نزع الشرعية الدولية عن السياسات الإسرائيلية، وربط إسرائيل بصورة الاحتلال والعقاب الجماعي والاستيطان.
وتكمن خطورة الأزمة بالنسبة لإسرائيل في أن المقاطعة لم تعد مرتبطة بخصومها التقليديين أو بدول الجنوب العالمي فقط، بل وصلت إلى عواصم غربية كانت تعد تاريخيا من أبرز الداعمين لها، وهو ما يضع حكومة نتنياهو أمام مأزق مزدوج: استمرار الحرب والسياسات المتشددة داخليا، مقابل تآكل الغطاء الدبلوماسي خارجيا.
ويرى منتقدون داخل إسرائيل أن الحكومة تتعامل مع الأزمة وكأنها عاصفة إعلامية عابرة، بينما تتراكم المؤشرات على تحول طويل الأمد في المزاج الدولي، من التعاطف السياسي مع إسرائيل إلى محاسبتها على سلوكها في الأراضي الفلسطينية، خصوصا مع استمرار مشاهد الدمار والضحايا وتصاعد عنف المستوطنين.
كما أن اتساع نطاق المقاطعة الأكاديمية والثقافية يهدد إحدى أهم أدوات القوة الناعمة الإسرائيلية، إذ لطالما اعتمدت تل أبيب على حضورها في الجامعات ومراكز الأبحاث والمهرجانات الدولية لتقديم نفسها كدولة منفتحة ومتقدمة، لكن هذه الصورة باتت تتعرض لاختبار قاسٍ مع تنامي الدعوات لعزلها.
وفي المحصلة، تجد إسرائيل نفسها أمام حصار دبلوماسي متصاعد لا يقتصر على بيانات الإدانة، بل يمتد إلى الاقتصاد والثقافة والرياضة والجامعات والاستثمارات، في لحظة تبدو فيها حكومة نتنياهو عاجزة عن كبح اندفاع اليمين المتطرف أو ترميم صورتها الدولية، ما يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من العزلة السياسية وتراجع النفوذ العالمي.

