أكد رئيس مكتب العلاقات الدولية في حركة حماس، موسى أبو مرزوق، أن الحرب الدائرة في قطاع غزة تجاوزت حدود المواجهة المحلية، وتحولت إلى جزء من صراع إقليمي أوسع امتدت آثاره إلى لبنان وإيران وساحات أخرى في المنطقة، مشيرا إلى أن تداعيات العدوان أعادت تشكيل طبيعة المواجهة في الشرق الأوسط، وفرضت معادلات سياسية وميدانية جديدة.
وقال أبو مرزوق إن إسرائيل، رغم كثافة العمليات العسكرية التي شنتها على قطاع غزة منذ اندلاع الحرب، لم تتمكن من تحقيق الأهداف التي أعلنتها في بداية العدوان، وفي مقدمتها تهجير سكان القطاع، وإسقاط حكم حركة حماس، ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية، مؤكدا أن استمرار الواقع الميداني والسياسي في غزة يعكس فشل هذه الأهداف.
وأضاف أن إدارة قطاع غزة ما تزال بيد حركة حماس، وأن عودة أعداد من النازحين إلى مناطقهم تكشف فشل محاولات فرض واقع سياسي أو ديموغرافي جديد داخل القطاع، موضحا أن الاحتلال استخدم الضغط العسكري والإنساني لدفع السكان نحو النزوح، لكنه لم ينجح في تحويل هذا الضغط إلى نتيجة سياسية نهائية.
الاحتلال فشل في تحقيق أهدافه بغزة
واعتبر أبو مرزوق أن إسرائيل راهنت منذ بداية الحرب على الحسم العسكري السريع، لكنها وجدت نفسها أمام حرب طويلة ومعقدة، لم تمنحها السيطرة الكاملة على القطاع، ولم تنهِ حضور المقاومة، ولم تحقق هدفها المركزي بإخراج حماس من المشهد الفلسطيني.
وأوضح أن استمرار قدرة حماس على إدارة الملفات المدنية والسياسية داخل غزة يمثل مؤشرا واضحا على أن العدوان لم يصل إلى نتائجه المعلنة، رغم حجم الدمار الكبير والخسائر الإنسانية الواسعة التي تعرض لها سكان القطاع منذ بدء الحرب.
وأشار إلى أن ملف التهجير كان أحد أخطر الأهداف الإسرائيلية، حيث حاول الاحتلال دفع السكان إلى مغادرة مناطقهم عبر القصف والحصار وتدمير البنية التحتية، غير أن عودة نازحين إلى أماكنهم أظهرت تمسك الفلسطينيين بأرضهم ورفضهم لأي مخطط اقتلاع جديد.
وأكد أن نزع سلاح المقاومة لم يتحقق أيضا، لأن المقاومة بقيت جزءا من معادلة الصراع، وظلت حاضرة في أي نقاش سياسي أو ميداني يتعلق بمستقبل غزة، ما يعني أن إسرائيل فشلت في فرض شروطها بالقوة وحدها.
مفاوضات غير مباشرة وملفات عالقة
وفي ما يتعلق بالمسار السياسي، أوضح أبو مرزوق أن الاتصالات الحالية لا ترقى إلى مستوى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، لكنها تجري بصورة غير مباشرة عبر وسطاء دوليين وإقليميين، بينهم مصر وقطر والولايات المتحدة وتركيا.
وقال إن هذه الاتصالات تتركز على عدة ملفات رئيسية، أبرزها تبادل الأسرى، وإدخال المساعدات الإنسانية، والتوصل إلى وقف لإطلاق النار، إضافة إلى الانسحاب الإسرائيلي من مناطق داخل قطاع غزة، باعتبارها ملفات لا يمكن فصل بعضها عن بعض.
وأضاف أن حركة حماس أبدت مرونة تجاه بعض المقترحات المطروحة، لكنها تربط أي تقدم جديد بالتزام إسرائيل الكامل بما تم الاتفاق عليه في المراحل السابقة، مشيرا إلى أن الاحتلال لا يستطيع المطالبة بتنازلات جديدة بينما يتهرب من تنفيذ الالتزامات القائمة.
وشدد أبو مرزوق على أن وقف إطلاق النار لا يمكن أن يكون مجرد هدنة مؤقتة تمنح إسرائيل فرصة لإعادة ترتيب عملياتها، بل يجب أن يرتبط بضمانات واضحة، وفتح فعلي للمساعدات، وإنهاء سياسة التجويع والحصار التي تضاعف معاناة المدنيين.
كما لفت إلى أن ملف الأسرى يمثل أحد أعقد الملفات المطروحة، لأنه يرتبط بمصير محتجزين لدى الطرفين، وبأوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، في ظل تزايد المخاوف من تدهور ظروف الاعتقال والانتهاكات بحقهم.
الوحدة الفلسطينية والانتقادات للموقف الأوروبي
وعلى الصعيد الفلسطيني الداخلي، دعا أبو مرزوق إلى إنهاء حالة الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والعمل على تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، مؤكدا أن استمرار الانقسام يضعف الموقف الفلسطيني في مواجهة التحديات السياسية والميدانية.
وقال إن اللحظة الراهنة تتطلب موقفا فلسطينيا موحدا، لأن الاحتلال يستغل الانقسام لفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء في قطاع غزة عبر الحرب والحصار، أو في الضفة الغربية عبر الاستيطان والاقتحامات وتقييد الحركة.
كما وجه أبو مرزوق انتقادات حادة للموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية، متهما بعض الدول الأوروبية بازدواجية المعايير في التعامل مع حقوق الفلسطينيين وقضية الاستيطان الإسرائيلي، رغم أن هذا الاستيطان يقوض بصورة مباشرة فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وأوضح أن استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية يكشف غياب ضغط دولي جاد على إسرائيل، لأن البيانات السياسية لا تمنع مصادرة الأراضي ولا توقف بناء المستوطنات ولا تحمي الفلسطينيين من الانتهاكات اليومية.
وفي ختام تصريحاته، دعا أبو مرزوق إلى تحرك دولي عاجل لمتابعة أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، مشيرا إلى قضية الطبيب حسام أبو صفية، ومؤكدا أن أوضاع المعتقلين تستدعي تدخلا حقوقيا وإنسانيا واسعا من المؤسسات الدولية المعنية.
وتعكس تصريحات أبو مرزوق محاولة حماس تثبيت روايتها السياسية بعد أشهر من الحرب، عبر التأكيد على فشل الأهداف الإسرائيلية، وربط مصير غزة بالصراع الإقليمي، والدفع نحو مسار تفاوضي غير مباشر يقوم على وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وانسحاب الاحتلال، وفتح الباب أمام وحدة فلسطينية أوسع.

