خلص الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة، في رأيه رقم 19/2026 الصادر بتاريخ 29 مارس 2026، إلى أن احتجاز الخبير الاقتصادي والباحث المصري عبد الخالق فاروق قرابة 19 شهرًا يمثل احتجازًا تعسفيًا، مطالبًا بالإفراج الفوري عنه وتعويضه وتوفير سبل انتصاف قانونية كاملة.

 

ويضع الرأي الأممي حكومة السيسي أمام إدانة حقوقية جديدة في ملف حرية التعبير، لأن القضية لم تبدأ من فعل عنيف أو تهديد أمني مباشر، بل من كتابات اقتصادية وسياسية انتقدت إدارة الدولة للموارد والمشروعات الكبرى، قبل أن تتحول إلى اتهامات وحكم بالسجن 5 سنوات.

 

قضية بدأت بمقالات وانتهت بسجن 5 سنوات

 

تعود القضية إلى أكتوبر 2024، عندما نشر عبد الخالق فاروق سلسلة مقالات على صفحته بموقع فيسبوك تناولت السياسات الاقتصادية للحكومة ومشروعاتها الكبرى، قبل أن تداهم قوة أمنية منزله بعد يومين وتصادر مخطوطات وأجهزة رقمية تخصه.

 

وبحسب ما ورد في الرأي الأممي وبيانات المنظمات الحقوقية، جرى نقل فاروق إلى مكان غير معلوم بعد القبض عليه، قبل ظهوره لاحقًا أمام نيابة أمن الدولة العليا في القاهرة، حيث وُجهت إليه اتهامات من بينها الانضمام إلى منظمة إرهابية ونشر أخبار كاذبة.

 

ثم انتقلت القضية إلى محكمة الجنح في الشروق، وفي 4 أكتوبر 2025 صدر حكم بإدانته بتهمة نشر أخبار كاذبة داخل مصر وخارجها وفق المادة 102 مكرر من قانون العقوبات، وقضى الحكم بسجنه لمدة 5 سنوات.

 

وفي 25 ديسمبر 2025، أيدت محكمة الاستئناف الحكم الصادر بحقه، بينما لا يزال الطعن أمام محكمة النقض قيد النظر، بما يعني أن المسار القضائي لم يغلق بعد رغم استمرار حبسه وتدهور وضعه الإنساني والصحي.

 

وتكشف تفاصيل القضية أن السلطة تعاملت مع النقد الاقتصادي باعتباره خطرًا أمنيًا، لا رأيًا عامًا مشروعًا، وهو ما يمنح الواقعة دلالة أوسع من مصير باحث واحد، لأنها تمس مساحة الكلام عن الفشل الاقتصادي نفسه.

 

إدانة أممية تضرب رواية الإجراءات القانونية

 

أكد الفريق الأممي أن احتجاز عبد الخالق فاروق انتهك حقوقه في الحرية وحرية الرأي والتعبير والمحاكمة العادلة وعدم التمييز، وهي خلاصة تضرب الرواية الحكومية المعتادة التي تختزل قضايا الرأي في عبارة الإجراءات القانونية.

 

وأشار الفريق إلى أن حرمان فاروق من حريته افتقر إلى أساس قانوني كاف، كما انتقد عدم تقديم أمر اعتقال واضح وإخفاق السلطات في إخباره بأسباب القبض عليه لحظة توقيفه، إلى جانب احتجازه في مكان غير رسمي.

 

كما رأى الفريق أن احتجاز فاروق جاء نتيجة مباشرة لممارسته حقه المشروع في التعبير بوصفه اقتصاديًا سياسيًا، وأن مقالاته التي تناولت الشأن العام تحظى بالحماية بموجب المعايير الدولية الخاصة بحرية الرأي والتعبير.

 

وتزداد خطورة الرأي الأممي لأنه لم يكتف بوصف الواقعة كحالة فردية، بل وضعها ضمن سلسلة أوسع من الآراء المتعلقة بالاحتجاز التعسفي في مصر، محذرًا من نمط قد يشير إلى ممارسة واسعة أو منهجية.

 

وهنا تتحول القضية من ملف جنائي محدود إلى اختبار سياسي وحقوقي للحكومة، لأن استمرار تجاهل هذه الآراء يضع الدولة في مواجهة متكررة مع مؤسسات دولية، ويفضح الفجوة بين خطاب الإصلاح الحقوقي وممارسات الأجهزة الأمنية.

 

الحقوقيون يحذرون من تحويل النقد إلى تهمة

 

جاء الرأي الأممي بعد بلاغ مشترك تقدمت به اللجنة الدولية للحقوقيين والمفوضية المصرية للحقوق والحريات ولجنة العدالة، وهي جهات حقوقية رأت أن القضية تعكس استخدام الحبس والملاحقات القضائية لإسكات النقد السلمي.

 

وقال سعيد بنعربية، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في اللجنة الدولية للحقوقيين، إن رأي الفريق يؤكد أن مصر تحتجز عبد الخالق فاروق تعسفيًا انتقامًا منه على ممارسة حقه المشروع في حرية التعبير.

 

كما قال أحمد مفرح، المدير التنفيذي للجنة العدالة، إن القضية تعكس استمرار توظيف الاحتجاز التعسفي والملاحقات القضائية ذات الدوافع السياسية لإسكات النقد السلمي، معتبرًا تحذير الفريق من نمط منهجي بالغ الخطورة.

 

وتشير المنظمات الحقوقية إلى أن ظروف احتجاز فاروق، بما فيها العزل شبه التام والحرمان من الدواء وضوء الشمس والتمارين، إلى جانب تعرضه لنوبات قلبية، تثير مخاوف جدية بشأن سوء المعاملة داخل مقار الاحتجاز.

 

وفي المقابل، تواصل الحكومة المصرية ترديد خطاب عام عن احترام الدستور والقانون، لكنها لا تقدم إجابة مقنعة عن سبب تحويل مقالات اقتصادية إلى قضية أمنية، ولا عن استمرار استخدام تهم فضفاضة في مواجهة الباحثين والصحفيين.

 

وتبقى قضية عبد الخالق فاروق كاشفة لطريقة إدارة المجال العام في مصر، حيث لا تواجه الحكومة النقد بالرد أو الشفافية أو نشر البيانات، بل تترك الباب مفتوحًا أمام الحبس والتجريم وسحق المعارضين داخل المحاكم.

 

وفي النهاية، لا يبدو الرأي الأممي مجرد بيان حقوقي عابر، بل وثيقة اتهام جديدة لمنظومة ترى في الكلمة خطرًا وفي الباحث خصمًا، بينما يدفع المجال العام ثمنًا مباشرًا كلما تحولت الحقيقة الاقتصادية إلى ملف أمني.