تواصل كوريا الشمالية تعزيز مكانتها كواحدة من أكثر الدول إثارة للجدل على الساحة الدولية، مستندة إلى برنامج نووي متسارع وتطوير مستمر لقدراتها الصاروخية والعسكرية، في وقت تبرز فيه شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، كيم يو جونج، باعتبارها إحدى أكثر الشخصيات نفوذاً داخل النظام الحاكم، حتى باتت توصف في العديد من التقديرات السياسية بأنها الشخصية الثانية الأكثر تأثيراً في الدولة بعد شقيقها الزعيم كيم جونج أون.

 

وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية بشأن البرنامج النووي الكوري الشمالي، وإصرار بيونج يانج على المضي قدماً في توسيع ترسانتها العسكرية رغم العقوبات والضغوط الغربية المستمرة.

 

ترسانة نووية تتوسع بوتيرة متسارعة


منذ إجراء أول تجربة نووية عام 2006، نجحت كوريا الشمالية في بناء برنامج نووي متكامل شمل إنتاج المواد الانشطارية وتطوير الرؤوس النووية ووسائل إيصالها عبر الصواريخ الباليستية بمختلف المديات.

 

وتشير تقديرات دولية إلى أن بيونج يانج تمتلك عشرات الرؤوس النووية، مع استمرارها في تطوير منشآت تخصيب اليورانيوم وإنتاج المواد النووية اللازمة لصناعة الأسلحة، وهو ما يثير مخاوف متزايدة لدى الولايات المتحدة وحلفائها في آسيا.

 

وخلال الفترة الأخيرة، كشفت كوريا الشمالية عن منشأة جديدة لتخصيب اليورانيوم، قالت كوريا الجنوبية إنها مخصصة لإنتاج الوقود اللازم للقنابل النووية، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً واضحاً على تسارع البرنامج النووي للبلاد.

 

وفي الأسبوع الماضي، أزاحت بيونج يانج الستار عن مصنع جديد لإنتاج المواد النووية، حيث دعا الزعيم كيم جونج أون إلى توسيع "هائل" للترسانة النووية الكورية الشمالية، مؤكداً ضرورة زيادة إنتاج المواد الانشطارية وتعزيز القدرات الدفاعية للبلاد.

 

ويرى محللون أن الكشف عن منشآت نووية جديدة يهدف إلى تعزيز موقف كوريا الشمالية التفاوضي في أي محادثات مستقبلية، فضلاً عن ترسيخ مكانتها كقوة نووية أمر واقع في المنطقة.

 

صواريخ عابرة للقارات ومنظومة ردع متنامية


لا تقتصر القوة العسكرية الكورية الشمالية على امتلاك الرؤوس النووية، بل تشمل أيضاً شبكة متطورة من الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، إضافة إلى صواريخ عابرة للقارات تقول بيونج يانج إنها قادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية.

 

كما واصلت البلاد خلال السنوات الأخيرة تطوير صواريخ فرط صوتية وأنظمة إطلاق بحرية، فضلاً عن العمل على تعزيز قدراتها النووية البحرية ضمن استراتيجية الردع طويلة المدى.

 

ونقلت وكالة "يونهاب" الكورية الجنوبية للأنباء عن صحيفة "رودونج سينمون" الرسمية أن كيم جونج أون زار أحد أكبر مصانع الذخيرة في البلاد، وأصدر توجيهات بزيادة الطاقة الإنتاجية للصواريخ بمقدار مرتين ونصف خلال السنوات الخمس المقبلة، في مؤشر على استمرار التوسع العسكري بوتيرة غير مسبوقة.

 

تسريع بناء قوة بحرية نووية


وفي إطار خطط التحديث العسكري، تعهد كيم جونج أون بتسريع الجهود الرامية إلى بناء بحرية مزودة بأسلحة نووية، وذلك خلال إشرافه على التجارب البحرية لمدمرة جديدة جرى إصلاحها بعد فشل عملية تدشينها العام الماضي.

 

وقالت وسائل إعلام رسمية إن الزعيم الكوري الشمالي زار المدمرة "كانج كون" البالغة حمولتها خمسة آلاف طن أثناء خضوعها لاختبارات تقييم القدرات، مؤكداً أن تعزيز القوة النووية للبلاد سيمضي بوتيرة متسارعة خلال السنوات المقبلة.

 

وتشير تقارير رسمية إلى أن السفن الحربية الجديدة قادرة على حمل أنظمة تسليح متنوعة تشمل صواريخ مضادة للطائرات والسفن، إلى جانب صواريخ باليستية ومجنحة يمكن تزويدها برؤوس نووية، رغم تشكيك بعض الخبراء في مدى فعاليتها القتالية الحقيقية.

 

عقيدة نووية أكثر تشدداً


وشهدت السنوات الأخيرة تحولاً مهماً في العقيدة العسكرية الكورية الشمالية، حيث باتت القيادة تعتبر السلاح النووي جزءاً أساسياً من استراتيجية بقاء الدولة والنظام السياسي.

 

وأكدت بيونج يانج مراراً أن وضعها كدولة نووية غير قابل للتفاوض أو التراجع، وأن امتلاك الأسلحة النووية يمثل الضمانة الرئيسية لمواجهة ما تصفه بالتهديدات الخارجية.

 

وتنص التشريعات الكورية الشمالية الحديثة على تعزيز المكانة القانونية للبرنامج النووي، بما يعكس إصرار القيادة على المضي في هذا المسار رغم الضغوط الدولية المتواصلة.

 

كيم يو جونج.. المرأة الأقوى في كوريا الشمالية


في موازاة تنامي القدرات العسكرية، يبرز اسم كيم يو جونج باعتبارها أحد أهم أركان السلطة في كوريا الشمالية وأكثر الشخصيات تأثيراً داخل حزب العمال الحاكم.

 

وتعد الشقيقة الصغرى للزعيم كيم جونج أون، وقد صعد نجمها تدريجياً منذ وصول شقيقها إلى الحكم عقب وفاة والدهما كيم جونج إيل، لتصبح عضواً محورياً في الدائرة الضيقة المحيطة بالزعيم.

 

وتلعب كيم يو جونج دوراً بارزاً في إدارة الملفات السياسية والإعلامية والدبلوماسية الحساسة، كما تشارك في صياغة الرسائل الرسمية للنظام وتوجيه المواقف السياسية تجاه القوى الدولية والإقليمية.

 

شقيقة الزعيم تتصدر الدفاع عن البرنامج النووي


وخلال الأيام الأخيرة، عادت كيم يو جونج إلى واجهة المشهد السياسي عبر تصريحات قوية أكدت فيها تمسك بلادها بامتلاك الأسلحة النووية،وقالت شقيقة الزعيم الكوري الشمالي إن كوريا الشمالية لن تتنازل أبداً عن وضعها كدولة تمتلك أسلحة نووية، مؤكدة أن بيونج يانج لن تتهاون مع أي تهديدات تستهدف أمنها القومي أو سيادتها.

 

كما وصفت مزاعم أميركية تحدثت عن تأكيد الرئيسين الصيني شي جين بينج والأميركي دونالد ترمب على هدف نزع السلاح النووي الكوري الشمالي خلال لقاء جمعهما في مايو بأنها "كاذبة"، مشددة على أن بلادها تمتلك المعلومات الأكثر دقة بشأن هذه المزاعم.

 

ويعتبر مراقبون أن تصريحات كيم يو جونج تعكس الموقف الرسمي للقيادة العليا أكثر من كونها مجرد تصريحات سياسية، ما يؤكد حجم النفوذ الذي تتمتع به داخل النظام الحاكم.

 

نفوذ متزايد داخل الحزب والدولة


لا يقتصر دور كيم يو جونج على إصدار التصريحات السياسية، بل ينظر إليها باعتبارها أحد أبرز صناع القرار داخل حزب العمال الكوري الحاكم، حيث تشارك في إدارة ملفات استراتيجية تتعلق بالأمن القومي والعلاقات الخارجية والدعاية السياسية.

 

وخلال السنوات الماضية، تحولت إلى الواجهة الرئيسية للرد على الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان، وغالباً ما تصدر عنها البيانات الأكثر حدة في أوقات الأزمات والتوترات العسكرية.

 

كما أن ظهورها المتكرر إلى جانب شقيقها في الاجتماعات العسكرية والفعاليات الرسمية والقضايا المرتبطة بالبرنامج النووي عزز مكانتها باعتبارها أحد أعمدة السلطة الفعلية في بيونج يانج.

 

زيارة صينية مرتقبة ورسائل سياسية


وتتزامن هذه التطورات مع إعلان زيارة مرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى كوريا الشمالية، في أول زيارة من نوعها منذ ما يقرب من سبع سنوات، في خطوة تعكس مساعي بكين لتعزيز علاقاتها مع حليفها الاستراتيجي الوحيد المرتبط معها بمعاهدة رسمية.

 

ويرى محللون أن توقيت الإعلان عن المنشآت النووية الجديدة والتصريحات المتشددة بشأن السلاح النووي يحمل رسائل سياسية واضحة قبيل أي لقاءات أو تحركات دبلوماسية محتملة، ويؤكد أن كوريا الشمالية لا تنوي تقديم تنازلات تتعلق ببرنامجها النووي.