أعلنت وزارة الصحة والسكان استمرار تراجع أعداد المواليد في مصر خلال 2025، بعد أن هبط العدد السنوي في 2024 إلى 1.968 مليون مولود لأول مرة منذ 2007، مقابل 2.045 مليون مولود في 2023، مع انخفاض معدل الإنجاب الكلي إلى 2.41 مولود لكل سيدة.

 

ويحوّل هذا التراجع إعلان الحكومة عن نجاح خطة خفض المواليد إلى سؤال سياسي واجتماعي قاس، لأن انخفاض الإنجاب قد يكون نتيجة برامج تنظيم الأسرة والتوعية، لكنه يتزامن أيضا مع غلاء الزواج والسكن والتعليم والعلاج، وهي ضغوط تدفع الأسر إلى تأجيل الإنجاب لا اقتناعا بخطة الدولة فقط.

 

أرقام المواليد تهبط دون 2 مليون لأول مرة منذ 2007

 

في البداية، يمثل هبوط عدد المواليد إلى أقل من 2 مليون مولود سنويا نقطة فاصلة في مسار الزيادة السكانية بمصر، لأن البلاد ظلت منذ 2007 فوق هذا الحاجز، قبل أن تسجل في 2024 نحو 1.968 مليون مولود بانخفاض 77 ألف مولود عن 2023.

 

ثم أعلنت وزارة الصحة أن عام 2025 شهد استمرار التراجع في معظم المحافظات، مع تسجيل 9 محافظات فقط زيادات محدودة تراوحت بين 0.3% و5% مقارنة بعام 2024، وهو ما يعني أن الانخفاض لم يعد واقعة عابرة في محافظة واحدة أو سنة استثنائية.

 

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وصل عدد سكان مصر في الداخل إلى 108 ملايين نسمة في أغسطس 2025، وبلغ عدد المواليد 1.482 مليون مولود خلال الفترة من نوفمبر 2024 إلى أغسطس 2025، بمتوسط 5165 مولودا يوميا.

 

كذلك أظهرت بيانات نهاية 2025 أن إجمالي الولادات الجديدة لن يزيد على 1.940 مليون مولود إذا ثبت عدد الوفيات عند 610 آلاف، مقابل 1.968 مليون مولود في 2024، بما يؤكد بقاء المواليد دون حاجز 2 مليون للعام الثاني على التوالي.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي الدكتورة هانيا شلقامي، أستاذة علم الإنسان ومجال السكان والصحة الإنجابية بالجامعة الأمريكية، زاوية فهم الرقم خارج الدعاية، لأنها تنظر إلى السكان باعتبارهم نتيجة سياسات اجتماعية واقتصادية وثقافية لا نتيجة حملة توعية منفردة.

 

لذلك لا يصح اختزال الانخفاض في عبارة نجاح حكومي نهائي، لأن الرقم السكاني يتأثر بعوامل متشابكة تشمل التعليم والعمل والزواج والدخل والهجرة الداخلية وتكاليف السكن، كما يتأثر بمدى قدرة النساء على الوصول إلى خدمات صحية وتنظيم أسرة آمنة ومحترمة.

 

كما أن معدل المواليد لم ينخفض بالدرجة نفسها في كل المناطق، فقد بقيت محافظات الصعيد، مثل أسيوط وسوهاج وقنا والمنيا وبني سويف، أعلى من المعدل العام للجمهورية في 2024، بينما سجلت محافظات مثل بورسعيد ودمياط والدقهلية والغربية والسويس معدلات أقل.

 

ومن هنا، تكشف الخريطة السكانية أن المشكلة ليست في عدد السكان وحده، بل في عدالة التنمية والخدمات والفرص بين المحافظات، لأن المناطق الأعلى إنجابا غالبا هي الأقل حظا في التشغيل الجيد والخدمات والتعليم الجيد والتمكين الاقتصادي للنساء.

 

وبناء على ذلك، تبدو الأرقام الجديدة مؤشرا مهما لكنها لا تمنح الحكومة شهادة نجاح كاملة، لأن انخفاض المواليد لا يعني تلقائيا تحسن حياة الأسر، ولا يثبت أن الدولة عالجت الفقر والبطالة والسكن والتعليم، وهي الملفات التي تحدد قرار الزواج والإنجاب فعليا.

 

خطة السيسي بين التنظيم والضغط الاقتصادي

 

من ناحية رسمية، تربط الحكومة انخفاض المواليد بخطة أوسع بدأت بمشروع تنمية الأسرة المصرية والاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية 2023-2030، التي تستهدف الوصول بمعدل الإنجاب الكلي إلى 2.1 طفل لكل سيدة، مع توسيع خدمات تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية.

 

كذلك روجت الحكومة لحوافز مالية مؤجلة بقيمة 1000 جنيه سنويا للمرأة التي تلتزم بإنجاب طفلين بحد أقصى، ضمن مشروع تنمية الأسرة، على أن تحصل على المبلغ المتراكم عند بلوغ سن 45 عاما وفق الشروط المعلنة من الحكومة.

 

لكن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان المواطن المصري ينجب أقل بسبب اقتناعه بسياسة سكانية عادلة، أم لأنه أصبح غير قادر على تحمل كلفة طفل جديد، في ظل ارتفاع أسعار الغذاء والتعليم والعلاج والإيجار والذهب ومستلزمات الزواج خلال السنوات الأخيرة.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي الباحث الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي محور الضغط المعيشي، لأنه ربط في قراءته لتراجع المواليد بين الفقر وصعوبة الأوضاع وتراجع الزواج وارتفاع الطلاق وتأجيل قرارات الإنجاب، لا بين الانخفاض ونجاح السلطة وحده.

 

وبحسب تلك القراءة، تؤدي الأوضاع الاقتصادية الصعبة إلى تراجع قرارات الزواج والإنجاب، خاصة لدى الأسر الحديثة، لأن إضافة مولود جديد تعني التزامات مالية لا تملكها أسرة فقدت جزءا من دخلها الحقيقي بسبب التضخم وتراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف الخدمات.

 

كما تظهر بيانات الزواج والطلاق باعتبارها جزءا من معادلة المواليد، لأن تراجع عقود الزواج في سنوات عدة بعد 2017 وارتفاع حالات الطلاق إلى مستويات كبيرة في 2022 يقللان بطبيعة الحال عدد الأسر الحديثة القادرة على إنجاب أطفال.

 

تأجيل الإنجاب أصبح قرارًا ماليًا

 

ثم إن تأجيل الإنجاب داخل الأسر القائمة لم يعد قرارا صحيا فقط، بل أصبح في كثير من الحالات قرار نجاة مالية، إذ تؤجل الأسر الحديثة الطفل الأول أو الثاني حتى تستقر في عمل أو سكن أو دخل، بينما تؤجل أسر أخرى الإنجاب خوفا من مصاريف التعليم والعلاج.

 

ولهذا يبدو حديث السلطة عن الزيادة السكانية مرتبكا، لأنها ظلت تحمل عدد السكان مسؤولية تدهور الخدمات وضعف التنمية، ثم عندما انخفضت المواليد لم تعلن خطة واضحة لتحسين نصيب المواطن من التعليم والصحة والسكن والأجور، وهي ثمار يفترض أن تظهر مع تراجع الضغط السكاني.

 

ومن ثم، لا يكفي أن تقول الحكومة إن خطة السيسي نجحت في خفض المواليد، لأن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد أقل من الأطفال فقط، بل يقاس بطفل أفضل تعليما وصحة، وأسرة أقل فقرا، وامرأة أكثر قدرة على اتخاذ قرارها بعيدا عن الخوف والضغط.

 

وبالتوازي، تكشف تجربة الحوافز المالية عن محدودية المنطق الرسمي، لأن 1000 جنيه سنويا لا تقنع أسرة بتغيير قرار إنجابها إذا كانت تواجه أعباء شهرية أكبر بكثير في الطعام والمواصلات والدروس والعلاج، ولا تعالج جذور القلق الاقتصادي لدى الشباب.

 

انخفاض المواليد لا يعفي الحكومة من تحسين المعيشة

 

على مستوى اجتماعي أوسع، يرتبط انخفاض الإنجاب بتغيرات في التعليم والعمل وأدوار النساء، فقد أشار خبراء سكان إلى أن ارتفاع تعليم الإناث وانفتاح سوق العمل أمامهن وارتفاع سن الزواج جعل قرار إنجاب أكثر من طفلين أصعب داخل قطاعات واسعة من الأسر.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي الدكتور راغوي أسعد، أستاذ التخطيط والشؤون العامة بجامعة مينيسوتا والباحث في سوق العمل المصري، زاوية ربط الزواج والإنجاب بالتشغيل، لأن أبحاثه تناولت انتقال الشباب من التعليم إلى العمل وعلاقته بالزواج في مصر.

 

لذلك لا تنفصل الخصوبة عن سوق العمل، لأن الشاب الذي يتأخر في الحصول على عمل مستقر يتأخر في الزواج، والزوجان اللذان يدخلان الحياة الأسرية بدخل غير مضمون يترددان في الإنجاب، فتظهر النتيجة لاحقا في بيانات المواليد لا في بيانات البطالة وحدها.

 

كما أن انخفاض المواليد قد يحمل وجها إيجابيا إذا جاء عبر تمكين حقيقي للمرأة وتحسين التعليم والصحة وتوسيع خدمات تنظيم الأسرة، لكنه يصبح علامة ضغط إذا جاء عبر الخوف من الفقر وتأجيل الزواج وانكماش القدرة على تكوين أسرة مستقرة.

 

ومن زاوية المحافظات، لا تزال فجوة الصعيد قائمة رغم التراجع العام، لأن محافظات مثل أسيوط وسوهاج وقنا والمنيا وبني سويف سجلت معدلات مواليد أعلى من المعدل العام في 2024، ما يعني أن التنمية غير المتوازنة تعيد إنتاج الفوارق السكانية والاجتماعية.

 

كذلك لا تزال الدولة مطالبة بإتاحة وسائل تنظيم الأسرة مجانا وبكرامة، وتدريب مقدمات الخدمة، وتحسين الرعاية الصحية للأمهات، لأن خفض المواليد بالقسر الاقتصادي أو الضغط الخطابي لا ينتج سياسة سكانية عادلة، بل ينقل العبء إلى النساء والأسر الفقيرة.

 

ومن جهة أخرى، تظهر مشكلة الخطاب الرسمي في تصوير السكان كعبء دائم على الدولة، بينما يفترض أن البشر قوة إنتاج إذا حصلوا على تعليم وصحة وعمل، ولذلك فإن خفض عدد المواليد لا يعفي الحكومة من سؤال فشلها في تحويل السكان إلى قوة تنمية.

 

كما أن استمرار تراجع المواليد دون تحسن في مستوى المعيشة سيضرب رواية الحكومة نفسها، لأن المواطن سيسأل عن المدرسة والمستشفى والعمل والسكن بعد انخفاض الضغط السكاني، ولن يقبل أن تبقى الزيادة السكانية شماعة دائمة ثم لا تتحسن الخدمات بعد تراجعها.

 

وعلى هذا الأساس، فإن الإجابة عن سؤال نجاح خطة السيسي تحتاج تفريقا واضحا بين نجاح رقمي ونجاح تنموي، فقد تحقق الحكومة انخفاضا في المواليد، لكنها لا تستطيع ادعاء نجاح شامل إذا كان الانخفاض مدفوعا بضيق المعيشة وتأخر الزواج والخوف من تكاليف الطفل.

 

وفي النهاية، يكشف إعلان الصحة عن انخفاض المواليد دون 2 مليون أن مصر دخلت مرحلة سكانية جديدة، لكن هذه المرحلة لن تكون إنجازا حقيقيا إلا إذا تحولت إلى مدارس أفضل، ومستشفيات أقوى، وفرص عمل أوسع، وحياة كريمة للأسر التي أنجبت أقل.

 

وبهذا المعنى، لا يجب أن تحتفل الحكومة بانخفاض المواليد قبل أن تجيب عن السؤال الأصعب، وهو ماذا فعلت لتحسين حياة المواليد الموجودين بالفعل، لأن نجاح أي خطة سكانية لا يقاس بقلة الأطفال فقط، بل بقدرة الدولة على صون حقهم في العيش الكريم.