كشفت شكاوى مواطنين في محافظة سوهاج بعد عيد الأضحى المبارك عن استمرار طفح وانسداد شبكات الصرف الصحي في عدد من المناطق، بسبب تراكم رواسب ومخلفات الأضاحي داخل الشبكات، رغم امتداد خطوط الصرف المخدومة إلى 2256 كيلو متر في مراكز المحافظة.

 

وتضع هذه الشكاوى الحكومة أمام مسؤولية مباشرة لا تغطيها بيانات التطهير ولا التحذيرات الموسمية، لأن المواطن لا يحاسب الشركة على عدد الكيلومترات المعلنة، بل على شارع غارق في مياه الصرف، ورائحة تخنق البيوت، وخدمة لا تصل إلا إلى 34% من سكان المحافظة.

 

رواسب الأضاحي تكشف شبكة عاجزة لا خدمة مستقرة

 

في البداية، أظهرت شكاوى الأهالي بعد عيد الأضحى أن تراكم رواسب ومخلفات الأضاحي داخل شبكات الصرف الصحي تحول إلى سبب مباشر للانسداد والطفح، وهو ما جعل بعض الشوارع في سوهاج تواجه أزمة صحية ومعيشية لا يمكن اختصارها في مخالفة فردية أو سوء استخدام.

 

ثم إن الحكومة كانت تعرف مسبقا أن موسم الأضاحي يزيد الضغط على شبكات الصرف، وكان يفترض أن توفر نقاط تجميع للمخلفات وحملات رقابة فعلية وفرق تدخل عاجلة قبل وقوع الطفح، لا أن تترك المواطنين بين انسداد الشبكات وبيانات لاحقة تشرح ما حدث.

 

وبسبب غياب الاستعداد العملي، تحولت الرواسب إلى دليل على ضعف الإدارة، لأن الشركة تعلم طبيعة الموسم وتعلم أن بعض المواطنين يلقون المخلفات في الشبكات، لكنها لم تمنع النتيجة النهائية التي وصلت إلى بيوت الناس في صورة طفح وروائح ومياه ملوثة.

 

كذلك لا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية الانسداد، لأن شبكة صرف صحي حقيقية يجب أن تدار بمنظومة وقاية ورقابة وصيانة وطوارئ، لا بمنشورات تحذير تنتهي مع أول بلاغ، ولا بخط ساخن لا يمنع الضرر قبل أن يدخل الشارع.

 

خدمة لا تغطي إلا 34% من السكان

 

بعد ذلك، تكشف أرقام الشركة نفسها أن عدد المخدومين بالصرف الصحي في سوهاج يبلغ نحو 2 مليون نسمة فقط، بنسبة 34% من سكان المحافظة، داخل 10 مدن و59 قرية، وهو رقم يفضح حجم الحرمان الخدمي في واحدة من محافظات الصعيد.

 

ومن هنا، تصبح أزمة الطفح داخل المناطق المخدومة أكثر إدانة للحكومة، لأن الشبكة التي لا تغطي إلا ثلث السكان تقريبا لا تزال عاجزة عن حماية هذا الثلث من الانسداد، بينما يبقى ثلثا المحافظة خارج الخدمة أو تحت رحمة بدائل أقل أمانا.

 

كما أن امتداد الشبكات إلى 2256 كيلو متر لا يساوي شيئا للمواطن إذا ظلت الرواسب تسد الخطوط بعد العيد، وإذا بقيت الشوارع معرضة للطفح، وإذا كان السكان مضطرين إلى تقديم شكاوى متكررة للحصول على حق بدهي في صرف صحي لا يلوث حياتهم.

 

وبذلك يجب أن يتحول رقم 2256 كيلو متر من مادة دعاية إلى سؤال مساءلة، لأن طول الشبكة لا يعفي الإدارة من مسؤولية التشغيل، وعدد المدن والقرى المخدومة لا يخفي أن الخدمة محدودة وضعيفة، وأن الناس ما زالت تشتكي من الطفح والانسداد.

 

الطفح إهانة يومية لا تعالجها بيانات الشركة

 

في المقابل، لا يعيش المواطن داخل بيان الشركة، بل يعيش وسط رائحة الصرف وتجمعات المياه والحشرات والخوف على الأطفال وكبار السن، ولذلك تبدو البيانات الرسمية عن التطهير والتوجيهات منفصلة عن الواقع عندما تستمر الشكاوى بعد العيد ولا يشعر الناس بتحسن ملموس.

 

ثم إن طفح الصرف الصحي لا يمثل مشكلة نظافة فقط، بل يمثل اعتداء على الحق في حياة آدمية، لأن الأسرة التي تغلق بابها خوفا من مياه الصرف، أو تعجز عن عبور الشارع، أو تخشى على أطفالها من التلوث، لا تحتاج تبريرا فنيا بل حلا فوريا.

 

كذلك يكشف استمرار الشكاوى أن الحكومة لا تدير الصرف الصحي باعتباره حقا أساسيا في الصحة والكرامة، بل تتعامل معه كبلاغ موسمي، مع أن انسداد الشبكات بسبب الرواسب كان متوقعا، وكان يمكن تقليل أثره بخطة ميدانية لا ببيانات عامة.

 

وفي النهاية، لا تكشف أزمة سوهاج عن مخلفات أضاحي فقط، بل تكشف عن حكومة تترك الناس يدفعون ثمن شبكة محدودة التغطية وضعيفة التشغيل، ثم تعيد شرح المشكلة بعد وقوعها، بينما المطلوب صرف صحي آمن لا يطفح على أبواب المواطنين.

 

وبهذا المعنى، لا يحتاج أهالي سوهاج إلى سماع المزيد عن جهود التطهير، بل يحتاجون إلى شوارع بلا صرف طافح، وخطة تمنع تراكم الرواسب قبل العيد، وتغطية تتجاوز 34%، ومحاسبة لمسؤولين تركوا حقا أساسيا يتحول إلى معاناة يومية.