كشفت وقائع اعتقال 3 من أعضاء لجنة الدفاع عن سجناء الرأي في مصر، قبل عيد الأضحى المبارك 2026، عن تصعيد أمني جديد ضد مبادرة مدنية تطالب بالإفراج عن المحتجزين في قضايا سياسية وقضايا حرية التعبير، بعدما قررت النيابة إخلاء سبيل وفاء المصري وحنان الطنطاوي بكفالة، وحبس محمد أبو الديار 15 يوما على ذمة التحقيقات.

 

وتضع هذه الواقعة الحكومة أمام تناقض واضح بين خطاب العفو والانفتاح من جهة، وملاحقة من يدافعون عن سجناء الرأي من جهة أخرى، لأن الدولة التي تزعم مراجعة ملفات الحبس لا تستطيع في الوقت نفسه تحويل نشاط قانوني وحقوقي علني إلى سبب جديد للاحتجاز والتهديد والترويع.

 

اعتقال المدافعين عن السجناء يوسع دائرة الخوف

 

في البداية، لم تستهدف الواقعة سجناء رأي داخل الزنازين فقط، بل طالت أشخاصا يعملون على متابعة أوضاعهم والدفاع عن حقوقهم القانونية، وهو ما جعل الرسالة الأمنية أوسع من حالة فردية، لأنها امتدت إلى المحامين والأسر والشخصيات المدنية التي تحاول تنظيم مطلب الإفراج.

 

ثم ألقت الأجهزة الأمنية القبض على محمد أبو الديار، مقرر لجنة الدفاع عن سجناء الرأي والقيادي في حزب تيار الأمل تحت التأسيس، إلى جانب المحامية وفاء المصري والدكتورة حنان الطنطاوي، وهي من مؤسسي اللجنة، قبل أن تتخذ النيابة قرارات متباينة بحقهم.

 

وبحسب ما نشرته مواقع حقوقية وصحفية، جاءت عمليات القبض بعد أسابيع من نشاط مكثف للجنة، بينها حملات وفعاليات تطالب بالإفراج عن المحتجزين بسبب آرائهم، وكان آخرها معرض صور شاركت فيه شخصيات عامة وحقوقية وسياسية تحت عنوان السجن مش مكانهم.

 

كذلك أوضحت شهادات محامين أن القبض على أبو الديار وحنان الطنطاوي جرى في منطقة حدائق الأهرام، بينما قالت المحامية ماهينور المصري إن وفاء المصري ألقي القبض عليها من شاليه في الساحل الشمالي، بما يعكس اتساع الاستهداف خارج مكان نشاط واحد.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي المحامي الحقوقي نجاد البرعي جوهر القضية، لأنه طالما ربط إصلاح ملف الحريات بضمان الحق في التنظيم والعمل العام، وهو ما يجعل القبض على مدافعين عن سجناء الرأي دليلا على أن المجال المدني نفسه أصبح تحت الرقابة والعقاب.

 

لذلك لا تبدو الواقعة مجرد إجراء أمني عابر، لأن اللجنة لم تعمل في السر ولم تدع إلى عنف، بل رفعت مطلبا محددا هو الإفراج عن المحبوسين في قضايا رأي، خاصة من تجاوزوا مدد الحبس الاحتياطي المنصوص عليها قانونا أو يعانون أوضاعا صحية قاسية.

 

كما أن حبس أبو الديار 15 يوما بعد إخلاء سبيل وفاء المصري وحنان الطنطاوي يترك رسالة انتقائية جديدة، لأن الدولة أطلقت سراح اثنين تحت ضغط الجدل وأبقت الثالث رهينة للتحقيق، بما يعمق الخوف داخل كل مبادرة تحاول جمع أسماء السجناء أو مخاطبة النيابة.

 

ومن هنا، يصبح اعتقال أعضاء اللجنة محاولة واضحة لكسر حلقة التضامن حول سجناء الرأي، لأن السلطة لا تكتفي بإبقاء المحتجزين داخل السجون، بل تلاحق من ينظمون معارض صور أو يقدمون مذكرات قانونية أو يتواصلون مع الأهالي لتوثيق الانتهاكات والمطالب.

 

لجنة مصر بلا سجناء رأي تحولت إلى هدف بعد توحيد الجهود المدنية

 

بعد ذلك، تكشف خلفية تأسيس لجنة الدفاع عن سجناء الرأي سبب حساسية السلطة تجاهها، فقد تأسست في نوفمبر الماضي بمشاركة أحزاب وشخصيات عامة وأسر محتجزين تحت شعار مصر بلا سجناء رأي، بهدف توحيد الجهود القانونية والحقوقية حول ملف الإفراج.

 

وبسبب هذا التكوين الواسع، لم تكن اللجنة مجرد مجموعة حقوقية محدودة، بل مساحة مشتركة بين أحزاب ومحامين وأسر سجناء وشخصيات عامة، وهو ما منح ملف المحتجزين صوتا سياسيا واجتماعيا متماسكا، وجعل المطالبة بالإفراج تتجاوز بيانات المنظمات إلى حضور علني منظم.

 

كما قدمت اللجنة في أبريل 2026 مذكرة جديدة إلى النائب العام تطالب بالإفراج عن جميع سجناء الرأي وتبييض السجون، وذكرت أنها التقت بالمحامي العام الأول بمكتب النائب العام لتسليم مطالبها القانونية بشأن المحبوسين في قضايا سياسية.

 

وفي المسار نفسه، طالبت اللجنة سابقا بمراجعة موقف من تجاوزوا الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، وهو مطلب يستند إلى نصوص قانونية لا إلى موقف سياسي مجرد، لأن الحبس الاحتياطي تحول في مصر إلى عقوبة مفتوحة تستخدم قبل المحاكمة وبعد انتهاء غرض التحقيق.

 

هنا يخدم رأي حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، هذا المحور بوضوح، لأنه يؤكد باستمرار أن أزمة الحبس الاحتياطي في مصر ليست استثناء قانونيا محدودا، بل أداة لإطالة العقوبة على أصحاب الرأي والنشطاء خارج ضمانات المحاكمة العادلة.

 

لذلك يفضح استهداف اللجنة عجز السلطة عن تحمل عمل قانوني منظم، لأن الدولة التي تملك النيابة والمحاكم والسجون لم تستطع قبول مبادرة تجمع أسماء المحبوسين وتطالب بالإفراج عنهم عبر مذكرات وفعاليات علنية ومعارض صور وشهادات أسر.

 

كذلك أظهرت مشاركة وفاء المصري في تنظيم معرض السجن مش مكانهم أن اللجنة كانت تسعى إلى نقل ملف السجناء من الأرقام المجردة إلى وجوه وقصص وأسر، وهو ما يزعج السلطة أكثر من الخطاب العام لأنه يجعل أثر الحبس مرئيا أمام المجتمع.

 

وعلى هذا الأساس، جاء توقيف أعضاء اللجنة كرسالة إلى الأسر قبل الحقوقيين، لأن كل أم أو زوجة أو ابن يشارك في حملة أو معرض أو مذكرة قد يشعر بأن التضامن نفسه أصبح مخاطرة، وأن الخروج من الصمت قد يفتح بابا جديدا للملاحقة.

 

ومن ثم، لا تنفصل هذه الواقعة عن مناخ أوسع تتعرض فيه الأحزاب الناشئة والمبادرات المدنية للتضييق، خصوصا عندما تتقاطع مع ملف سجناء الرأي، لأن هذا الملف يختبر حدود السلطة في الاعتراف بالخطأ أو الاستمرار في إنكار وجود معتقلين بسبب التعبير والعمل العام.

 

العفو الانتقائي لا يغلق ملف السجون ولا يصنع عدالة

 

في المقابل، جاءت الواقعة وسط انتقادات حقوقية متصاعدة لطريقة إدارة ملف العفو والإفراجات، إذ اعتبرت منظمة هيومن رايتس إيجيبت أن هناك تفاوتا في التعامل مع ملفات العفو، مع استمرار احتجاز شخصيات سياسية وأكاديمية بارزة بينما نال آخرون مرتبطون بقضايا جنائية قرارات عفو أو إفراج.

 

وبذلك تتحول قرارات العفو من أداة لإنهاء الظلم إلى مساحة اتهام جديدة بالانتقائية، لأن الإفراج عن أسماء محدودة لا يغير حقيقة بقاء آلاف الأسر معلقة بين حبس احتياطي مطول واتهامات فضفاضة وغياب معايير معلنة تحدد من يخرج ومن يبقى.

 

كما حذرت منظمات حقوقية دولية من استمرار احتجاز السجناء في ظروف ترقى إلى سوء المعاملة، بما يشمل الحرمان من الرعاية الصحية والحبس الانفرادي المطول، وهو ما يجعل كل تأخير في الإفراج خطرا على الحياة لا مجرد استمرار لإجراء قانوني.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي محمد زارع، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان سابقا والحاصل على جائزة مارتن إينالز، زاوية العدالة الانتقالية المطلوبة، لأنه يربط ملف الحريات بوقف الحبس السياسي وإتاحة المجال العام ومحاسبة الانتهاكات لا بتجميل الصورة عبر إفراجات متقطعة.

 

لذلك لا يكفي أن تقول الحكومة إنها أخلت سبيل عشرات أو سمحت بحوار وطني، لأن الاعتقال الجديد لمدافعين عن سجناء الرأي يهدم أي خطاب عن انفراجة، ويثبت أن القرار الأمني ما زال أعلى من أي تعهد سياسي أو حقوقي معلن.

 

كما أن استمرار احتجاز شخصيات سياسية وأكاديمية ومدنية بارزة يبعث برسالة قاسية إلى المجتمع، مفادها أن الدولة لا تراجع خطأها إلا عندما تختار هي التوقيت والاسم، بينما يبقى القانون عاجزا عن ضمان المساواة والحق في الحرية والمحاكمة العادلة.

 

وبناء على ذلك، يصبح مطلب الإفراج عن سجناء الرأي جزءا من أزمة حكم لا مجرد مطلب إنساني، لأن السجون تحولت إلى أداة لضبط السياسة والإعلام والمجتمع المدني، ولأن العفو الانتقائي يمنح السلطة حق توزيع الحرية بدل جعلها أصلا دستوريا.

 

ثم إن استهداف لجنة الدفاع عن سجناء الرأي يضع النيابة أمام اختبار واضح، فإما أن تستخدم سلطتها لمراجعة ملفات الحبس وإخلاء سبيل المحبوسين احتياطيا، أو أن تتحول إلى حلقة إضافية في تدوير القضايا وإطالة الاحتجاز وتثبيت الخوف داخل المجتمع.

 

وفي النهاية، تكشف واقعة اعتقال محمد أبو الديار ووفاء المصري وحنان الطنطاوي أن ملف سجناء الرأي في مصر لم يدخل مرحلة انفراج حقيقية، بل دخل مرحلة أشد خطورة حين أصبحت المطالبة بالإفراج عن السجناء سببا جديدا للاستدعاء والحبس والتحقيق.

 

وبهذا المعنى، لا تحتاج مصر إلى عفو انتقائي جديد ولا إلى خطاب رسمي عن تحسين الصورة، بل تحتاج إلى إخلاء سبيل شامل لسجناء الرأي، ووقف الحبس الاحتياطي كعقوبة بديلة، وحماية من يدافعون عن المحتجزين، لأن العدالة لا تبدأ من الزنزانة بل من منع استخدامها ضد الرأي.