إذا لم يحتضن الوطن أحلام شبابه النابغين في مختلف المجالات وخاصة التخصصات العلمية والتكنولوجية النادرة ويشعرهم بتحقيق ذواتهم وتقدير كفاءتهم يصبح حلم الهجرة هو الطريق الوحيد لتحقيق مستقبل أفضل، وقد كشفت تقارير صادرة عن جهات بحثية وسوق العمل، خلال فبراير الماضي عن توجه نحو 75% من الكفاءات التكنولوجية الشابة في مصر للبحث عن فرص عمل خارج البلاد نتيجة تدني الرواتب المحلية وغياب بيئة بحثية مستقرة وهو ما أدى إلى تسارع هجرة العقول وتراجع مساهمة القطاع التقني في الاقتصاد المحلي.

 

ترتبط هذه المؤشرات بسياق اقتصادي وسياسي أوسع تعيشه البلاد حيث تؤدي السياسات الحكومية إلى تضييق فرص العمل النوعية وتهميش البحث العلمي وهو ما يدفع الكفاءات إلى الهجرة القسرية بحثًا عن بيئة أكثر استقرارًا ويحول الأزمة من ظاهرة فردية إلى نزيف مستمر يهدد بنية الدولة الإنتاجية.

 

فجوة الأجور وتآكل القدرة على الاحتفاظ بالكفاءات

 

في هذا السياق تظهر فجوة الأجور كعامل حاسم في تسريع هجرة المهندسين والمبرمجين حيث تنخفض الرواتب المحلية خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني مقارنة بعروض تقدمها دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة برواتب مضاعفة وشروط عمل أكثر استقرارًا.

 

كما تؤكد الدكتورة سالي صلاح أن الفجوة بين الأجور المحلية والعالمية لم تعد مجرد فارق اقتصادي بل تحولت إلى دافع مباشر للهجرة حيث تفشل السوق المصرية في تقديم حد أدنى من التنافسية مما يفقدها الكفاءات المدربة التي استثمرت الدولة في تعليمها.

 

علاوة على ذلك يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم إلى تقليص القيمة الحقيقية للدخل حيث يجد العاملون في القطاع التقني أنفسهم غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية في ظل ثبات الأجور وارتفاع الأسعار بشكل متواصل.

 

كذلك تبرز العقود الأجنبية كبديل جذاب حيث توفر الشركات الدولية رواتب بالعملة الصعبة ونظم عمل مرنة وهو ما يجعل البقاء في السوق المحلي خيارًا مكلفًا من الناحية المهنية والمعيشية في آن واحد.

 

هجرة الشركات الناشئة وتحول مراكز الابتكار خارج البلاد

 

من ناحية أخرى لم تقتصر الهجرة على الأفراد بل امتدت إلى الشركات الناشئة التي بدأت في نقل مقراتها إلى دول مثل السعودية والإمارات بحثًا عن تمويل أكبر وبيئة تنظيمية أكثر دعمًا وهو ما يحرم السوق المحلي من فرص النمو.

 

وفي هذا الإطار تشير الدكتورة عالية المهدي إلى أن خروج الشركات الناشئة يمثل خسارة مزدوجة حيث تفقد الدولة رواد الأعمال وتفقد في الوقت نفسه فرص خلق وظائف جديدة مما يعمق الأزمة الاقتصادية بدلًا من احتوائها.

 

إلى جانب ذلك يؤدي انتقال هذه الشركات إلى إعادة توجيه الاستثمارات نحو الخارج حيث تتبع رؤوس الأموال بيئات الاستقرار وهو ما يضعف قدرة الاقتصاد المصري على بناء قطاع تكنولوجي تنافسي على المدى الطويل.

 

بالتوازي مع ذلك تتراجع فرص الابتكار المحلي نتيجة غياب الحاضنات الفعالة وضعف الدعم المؤسسي وهو ما يدفع رواد الأعمال إلى البحث عن منظومات أكثر نضجًا خارج الحدود.

 

نزيف تاريخي للعقول وتكلفة اقتصادية متصاعدة

 

على مستوى أوسع تكشف البيانات التاريخية عن هجرة نحو 5 ملايين مصري منذ منتصف السبعينيات بينهم أعداد كبيرة من أصحاب الكفاءات العالية الذين استقرت خبراتهم في الخارج بدلًا من توظيفها داخليًا.

 

كما توضح أرقام وزارة القوى العاملة أن 635 ألف مصري يقيمون في الولايات المتحدة و141 ألفًا في كندا و210 آلاف في إيطاليا إضافة إلى عشرات الآلاف في دول أوروبية أخرى وهو ما يعكس حجم الاستنزاف البشري.

 

في المقابل تشمل هذه الهجرة تخصصات دقيقة مثل الجراحات والطب النووي والهندسة الإلكترونية والفيزياء والنانو تكنولوجيا وهو ما يعني فقدان قطاعات استراتيجية لخبراتها الأساسية.

 

كذلك تشير دراسات الجامعة العربية إلى أن 54% من الطلاب العرب في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم وأن 34% من أطباء بريطانيا من العرب وهو ما يبرز عمق الظاهرة وتأثيرها الممتد.

 

وبحسب هذه الدراسات يساهم العالم العربي بنحو 31% من العقول المهاجرة من الدول النامية بينما يهاجر 50% من الأطباء و23% من المهندسين و15% من العلماء إلى أوروبا وأمريكا وكندا.

 

في هذا السياق يوضح الدكتور محمد فؤاد أن تكلفة إعداد الكفاءات العلمية تصل إلى عشرات آلاف الدولارات للفرد الواحد وهو ما يعني أن الهجرة تمثل نزيفًا ماليًا مباشرًا إضافة إلى خسارة المعرفة.

 

علاوة على ذلك يؤدي غياب هذه الكفاءات إلى تأجيل التنمية حيث تبقى الدول النامية مستهلكة للتكنولوجيا بدلًا من إنتاجها وهو ما يوسع الفجوة المعرفية مع الدول المتقدمة.

 

في حين يعكس واقع الأجور داخل مصر حجم الأزمة حيث يحصل أستاذ الجامعة على نحو 7000 جنيه يدفع منها جزءًا كبيرًا للخدمات الأساسية مما يجعله غير قادر على توفير تعليم أو علاج مناسب.

 

نتيجة لذلك يختار العديد من الحاصلين على الدكتوراه من الخارج عدم العودة إلى مصر ويفضلون الاستقرار في الدول التي توفر لهم بيئة مهنية مستقرة وفرصًا حقيقية للتقدم.

 

في المقابل تتفاقم المشكلة بسبب ضعف الإنفاق على البحث العلمي الذي لا يتجاوز 0.3% إضافة إلى غياب الربط بين البحث واحتياجات المجتمع وهو ما يعطل الاستفادة من الكفاءات.

 

مع ذلك تظل إمكانية الاستفادة من هذه العقول قائمة إذا توفرت إرادة سياسية حقيقية لإطلاق برامج جذب الكفاءات وتقديم حوافز مالية ومهنية تعيد الثقة في البيئة المحلية.

 

كما يمكن للجامعات المصرية أن تلعب دورًا محوريًا من خلال إنشاء مراكز بحثية حديثة تقدم رواتب تنافسية وتفتح المجال أمام العقول المهاجرة للمشاركة في مشروعات وطنية.

 

في النهاية يثبت الواقع أن استمرار نزيف العقول ليس نتيجة حتمية بل نتيجة مباشرة لسياسات يمكن تغييرها وأن وقف هذا النزيف يتطلب إعادة بناء منظومة البحث العلمي وسوق العمل بشكل جذري.