تحوّل معبر أرقين الحدودي بين مصر والسودان خلال الأيام الأخيرة إلى مشهد مكتظ بآلاف السودانيين العائدين إلى بلادهم، حيث تتكدس الأسر والعائلات في ساحات الانتظار لساعات طويلة، وسط شكاوى متزايدة من نقص وسائل النقل وارتفاع أسعار التذاكر وغياب التنظيم، في وقت يشهد فيه السودان حركة عودة واسعة لمواطنيه القادمين من مصر مع موسم عيد الأضحى.

 

وعلى امتداد المساحات المفتوحة داخل المعبر، تجلس مئات الأسر على الأرض في انتظار دورها للعبور أو الحصول على مقاعد في الحافلات المتجهة إلى الخرطوم ومدن السودان المختلفة.


وتنتشر الحقائب والأمتعة في كل زاوية، فيما تبدو علامات الإرهاق واضحة على وجوه الأطفال وكبار السن بعد رحلات سفر طويلة استمرت لساعات وربما لأيام.

 

انتظار طويل ومعاناة يومية


يروي عدد من العائدين قصصاً تعكس حجم الضغوط التي يواجهها المسافرون داخل المعبر، حيث أصبح الحصول على مقعد في إحدى الحافلات أمراً بالغ الصعوبة في ظل الطلب المتزايد وقلة السعة المتاحة.

 

ومن بين هؤلاء معاذ الباكر الزبير، الذي قال إنه وصل إلى المعبر منذ ساعات الصباح الأولى على أمل استكمال رحلته إلى مدينة أم درمان، لكنه فوجئ بعد انتظار طويل بعدم السماح له بالصعود إلى الحافلة التي حجز عليها مسبقاً.

 

وأوضح أن قيمة التذكرة التي اشتراها بلغت نحو 200 ألف جنيه سوداني، وأن أمتعته كانت قد نُقلت بالفعل إلى الحافلة، قبل أن يتم إبلاغه بأن مقعده ذهب لمسافرين آخرين دفعوا مبالغ أعلى.

 

ويؤكد معاذ أن ما حدث معه لا يمثل حالة فردية، بل يعكس واقعاً يواجهه عدد كبير من العالقين في المعبر، الذين يشكون من غياب الرقابة والتنظيم وترك عمليات الحجز والنقل لآليات غير واضحة، الأمر الذي يفتح الباب أمام تجاوزات واستغلال للمسافرين.

 

ارتفاع قياسي في أسعار التذاكر


ولا تقتصر الأزمة على نقص المقاعد فقط، بل تمتد إلى الارتفاع الكبير في تكاليف السفر، حيث تحدث العديد من العائدين عن زيادات ملحوظة في أسعار التذاكر خلال الفترة الأخيرة.

 

ويقول أحمد محمد عثمان، الذي كان يخطط لقضاء عطلة العيد مع أسرته داخل السودان، إن أسعار النقل شهدت قفزات كبيرة خلال فترة قصيرة، موضحاً أن التذكرة التي كانت تُباع سابقاً بنحو 130 ألف جنيه سوداني أصبحت تصل في بعض الرحلات إلى أكثر من 220 ألف جنيه.

 

ويرى أحمد أن هذه الزيادات تمثل عبئاً إضافياً على الأسر السودانية التي تحملت بالفعل أعباء النزوح والسفر والإقامة خارج البلاد خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن كثيراً من العائلات تضطر إلى تقليص نفقاتها الأساسية لتأمين تكاليف العودة.

 

وأضاف أن ما يحدث داخل المعبر يضع المسافرين أمام معاناة مزدوجة، تبدأ من مشقة السفر الطويل ولا تنتهي عند حدود الانتظار لساعات أو أيام من أجل إيجاد وسيلة نقل مناسبة.

 

رسوم إضافية وشكاوى من الاستغلال


وتتحدث شكاوى متكررة عن فرض رسوم إضافية على الأمتعة خارج قيمة التذاكر الأساسية، الأمر الذي يزيد من الأعباء المالية على المسافرين، خاصة أولئك الذين يحملون متعلقات شخصية وأثاثاً خفيفاً بعد فترات إقامة طويلة خارج السودان.

 

ويؤكد عدد من العائدين أن غياب آليات واضحة لتحديد الأسعار والرسوم أوجد حالة من الارتباك، حيث تختلف التكلفة من شركة إلى أخرى ومن رحلة لأخرى، ما يثير تساؤلات حول دور الجهات المختصة في مراقبة حركة النقل وضبط الأسعار خلال فترات الذروة.

 

شركات النقل: الأزمة أكبر من مجرد زيادة أسعار


في المقابل، يرفض مسؤولون في قطاع النقل تحميل الشركات كامل المسؤولية عن الأزمة الحالية، معتبرين أن ما يجري هو نتيجة مباشرة لضعف التنسيق المسبق وعدم الاستعداد الكافي لموجة العودة الكبيرة التي شهدها المعبر خلال الأيام الأخيرة.

 

ويقول مرتضى الطيب، المسؤول بإحدى شركات النقل العاملة على خط السودان – مصر، إن الضغط الكبير على المعبر تزامن مع موسم العيد، وهو ما كان يتطلب ترتيبات استثنائية لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المسافرين.

 

وأشار إلى أن شركات النقل تواجه بدورها تحديات تشغيلية متزايدة، موضحاً أن الرسوم والضرائب المفروضة على الحافلات ارتفعت بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية، حيث قفزت تكلفة الرسوم على الحافلة الواحدة من نحو 350 ألف جنيه سوداني إلى ما يقارب 840 ألف جنيه.

 

ويرى أن هذه الزيادات انعكست بشكل مباشر على أسعار التذاكر، مؤكداً أن الشركات تجد نفسها مضطرة لرفع الأسعار لتغطية النفقات التشغيلية والحفاظ على استمرارية الخدمة.

 

دعوات لتدخل عاجل وتنظيم حركة العبور


وتتزايد المطالب بضرورة تدخل الجهات الرسمية السودانية والجهات المشرفة على المعبر لوضع حلول عاجلة للأزمة، خاصة مع استمرار تدفق العائدين من مصر خلال الأسابيع المقبلة.

 

ويطالب مسافرون بزيادة عدد الحافلات المخصصة لنقل العائدين، وإنشاء آليات واضحة للحجز تمنع التلاعب بالمقاعد، إلى جانب تشديد الرقابة على الأسعار والرسوم الإضافية المفروضة على الأمتعة.

 

كما يدعو مختصون في شؤون النقل إلى وضع خطة موسمية متكاملة لإدارة حركة السفر خلال الأعياد والمناسبات الكبرى، بما يضمن انسيابية العبور ويحفظ حقوق المسافرين والشركات في آن واحد.

 

المواطن يدفع كلفة الأزمة


وبين روايات المسافرين عن الاستغلال والانتظار الطويل، وتبريرات شركات النقل المتعلقة بارتفاع التكاليف وضعف التنسيق، يبقى آلاف السودانيين العالقين في معبر أرقين الحلقة الأضعف في هذه الأزمة.

 

ففي الوقت الذي يتطلع فيه هؤلاء إلى العودة إلى منازلهم ولمّ شمل أسرهم بعد فترات من الغياب والاغتراب، يجد كثير منهم أنفسهم عالقين بين طوابير الانتظار وارتفاع النفقات وضبابية الإجراءات، في مشهد يلخص جانباً من التحديات الإنسانية التي ما زالت تواجه السودانيين على طرق العودة إلى وطنهم.

ومع استمرار تدفق العائدين، تبدو الحاجة ملحة إلى إجراءات عاجلة تعيد الانضباط إلى حركة النقل والعبور، وتخفف من معاناة آلاف الأسر التي تنتظر أن تنتهي رحلتها الطويلة بسلام، لا أن تبدأ عند المعبر فصلاً جديداً من المشقة والانتظار.