طالبت منظمات حقوقية مصرية ودولية مع حلول أول أيام عيد الأضحى في مصر الأربعاء 27 مايو 2026 بالإفراج عن المعتقلات السياسيات وتمكينهن من حقوق الزيارة والرعاية والاتصال بأسرهن، بينما تشير تقديرات حقوقية منشورة إلى وجود أكثر من 200 معتقلة سياسية داخل السجون المصرية.
ويكشف العيد حجم القسوة التي صنعتها الحكومة داخل البيوت قبل الزنازين، لأن غياب الأم أو الابنة لا يترك كرسيًا فارغًا فقط، بل يقطع علاقة يومية بين طفل ينتظر حضنًا وأسرة تتحرك بين أبواب السجون ونساء يدفعن ثمن رأي أو قرابة أو عمل حقوقي.
العيد خلف القضبان يكشف كلفة اعتقال النساء
في البداية، يطل عيد الأضحى على أسر المعتقلات بوصفه موعدًا ثقيلًا لا مناسبة عائلية كاملة، لأن البيت الذي اعتاد تجمع الأم والبنات حوله يتحول إلى غرفة انتظار، ويصبح ترتيب الزيارة أو المكالمة القصيرة بديلًا قاسيًا عن صلاة العيد والتهنئة والجلوس حول مائدة واحدة.
ثم تتضح القسوة أكثر عندما تكون المعتقلة أمًا لأطفال صغار، لأن غيابها لا يتوقف عند حرمانها من العيد، بل يمتد إلى طفل يسأل عن سبب غيابها في يوم تجتمع فيه العائلات، وإلى زوج أو أم أو أخت تحمل عبء الإجابة من دون قدرة على إنهاء الغياب.
بعد ذلك، تقدم قضية الحقوقية مروة عرفة مثالًا واضحًا على هذا الغياب المركب، فقد قالت منظمات حقوقية إن استمرار حبسها لأكثر من 5 سنوات حرم ابنتها الصغيرة من وجود أمها في مراحل أساسية من النمو، وجعل السجن عقوبة للأسرة لا للمعتقلة وحدها.
وفي هذا المحور، تمنح الصحفية والباحثة سلافة مجدي الملف بعدًا توثيقيًا مهمًا، إذ ربطت في دراسة نشرها معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط بين اعتقال النساء وبين استهداف الصحفيات والمدافعات الحقوقيات وبنات وزوجات المعارضين، بما يكشف أن السلطة تستخدم النساء كمدخل للضغط السياسي.
لذلك، لا يمكن عزل عيد المعتقلات عن سياسة أوسع صنعتها الحكومة، فالسجن لا ينتزع المرأة من بيتها فقط، بل يعيد تشكيل حياة الأسرة كلها، ويحوّل العيد إلى امتحان مؤلم للأطفال الذين يتعلمون مبكرًا أن الفرح في مصر قد يتوقف عند بوابة أمنية.
ومع ذلك، تحاول الأسر صناعة بقايا طقس إنساني في حدود المسموح، فتجهز ملابس للأطفال قبل الزيارة أو تجمع صورًا ورسائل قصيرة أو تنتظر تصريح دخول، لكن هذه التفاصيل لا تعوض غياب الأم، لأنها تضع الدولة في قلب لحظة عائلية كان يجب أن تبقى بعيدة عن العقاب.
السجون تحاصر الجسد والزيارة والحقوق اليومية
لاحقًا، لا تنتهي معاناة المعتقلات عند الحرمان من البيت، لأن تقارير حقوقية تحدثت عن احتياجات يومية وصحية لا تراعيها منظومة الاحتجاز بما يكفي، ووصفت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية غياب احتياجات النساء الجسدية من القانون بوصفه خللًا يظهر في السجون اقتصاديًا وصحيًا.
وبسبب ذلك، يصبح العيد داخل السجن يومًا عاديًا في نظام لا يعترف بما يكفي بالخصوصية الإنسانية للنساء، فالمعتقلة تحتاج إلى رعاية صحية واتصال منتظم ومحام وأسرة، لكن الحكومة تتعامل مع هذه الحقوق كامتيازات يمكن تضييقها أو تعليقها بدل اعتبارها التزامًا واجبًا.
كما وثقت لجنة العدالة في يناير 2026 تحسنًا ملحوظًا في بعض أوضاع سجن العاشر من رمضان للنساء، لكنها أكدت أن هذا التحسن جاء بعد سنوات من انتهاكات خطيرة في ظروف الاحتجاز والمعاملة، وهذا الاعتراف لا يبرئ الدولة بل يثبت أن الخلل كان قائمًا.
ومن جهة أخرى، تعيد مداخلة المحامية والناشطة الحقوقية ماهينور المصري تعريف المشكلة من داخل التجربة، إذ قالت إن القبض على النساء لا يراعي في حالات كثيرة طبيعة كونهن نساء، وأكدت الحاجة إلى وجود عناصر نسائية واحترام الضمانات منذ لحظة القبض الأولى.
هنا يظهر فشل الحكومة في تحويل الدستور والقانون إلى حماية فعلية، لأن النصوص التي تتحدث عن الكرامة والرعاية لا تمنع وحدها الإهانة أو الإهمال أو العزل، ولا تمنح الأسرة خبرًا مطمئنًا إذا ظلت إدارة السجون والنيابة والأجهزة الأمنية تتحكم في التفاصيل الأساسية للحياة.
وبالتوازي، تصبح الزيارة نفسها جزءًا من العقاب عندما تقصر أو تمنع أو تخضع لإجراءات مرهقة، فالأم التي تزور ابنتها لا تطلب مكسبًا سياسيًا، بل تطلب حقًا إنسانيًا في الاطمئنان، بينما تجعل السلطة هذا الحق معلقًا على موافقة إدارية لا تخضع لرقابة كافية.
لذلك، تتحول السجون في العيد إلى مرآة قاسية لسياسة الدولة تجاه النساء المعارضات أو القريبات من معارضين، فالحكومة لا تكتفي بسلب الحرية، بل تسمح بأن يمتد أثر الحبس إلى الجسد والبيت والطفل والزيارة، ثم تقدم إجراءات محدودة كأنها إنجاز كبير.
الزيارة الممنوعة تجعل الأسرة سجينة خارج الأسوار
في المحور الثالث، تكشف قضية الزيارات والاتصال أن الأسرة ليست خارج السجن تمامًا، لأن كل منع من الزيارة أو تأخير للمكالمة يحبس الأهل في دائرة انتظار، ويجعل عيد الأضحى يوم حساب نفسي طويل بين الرجاء والخوف والذهاب المتكرر إلى بوابات لا تقدم جوابًا كافيًا.
ثم أكدت منظمة العفو الدولية في وقت سابق أن السلطات يجب أن تسمح لكل المحتجزين بمن فيهم المدافعون عن حقوق الإنسان والناشطون والمعارضون بالتواصل مع أسرهم ومحاميهم عبر الزيارات والاتصالات، وهو مطلب يصبح أشد إلحاحًا في الأعياد حين تتضاعف قسوة العزلة.
وفي هذا السياق، تؤدي لين معلوف من منظمة العفو الدولية وظيفة حقوقية واضحة، فقد قالت إن السماح بالزيارات والاتصال يوفر قدرًا من الطمأنينة لأسر عاشت شهورًا في قلق على صحة ذويها، وحذرت من استبعاد المحتجزين في قضايا سياسية من هذه الحقوق.
كذلك، توضح قصة المحامية الحقوقية هدى عبد المنعم كيف يصبح السجن فصلًا كاملًا بين أم وبنتها، فقد عرض الباحث عمرو مجدي في هيومن رايتس ووتش أثر استمرار احتجازها وإعادة تدوير قضيتها على أسرتها، ونقل كيف أعاد غياب الأم تشكيل حياة ابنتها.
وبناء على ذلك، لا تبدو الزيارة مسألة إجرائية، بل تبدو آخر خيط بين المعتقلة وبيتها، فإذا قطعته إدارة السجن فقد نقلت العقوبة إلى الخارج، وحولت الأسرة إلى طرف معاقب، وجعلت العيد مناسبة تكشف أن السلطة تمسك حتى بحق الناس في الاطمئنان.
إضافة إلى ذلك، تفضح حالات الحبس الاحتياطي المطول منطق الحكومة في إدارة الملف، لأن بقاء نساء سنوات قبل حكم نهائي أو بعد انتهاء مدد قانونية يحول الاستثناء إلى قاعدة، ويجعل حياة الأبناء والأمهات رهينة لتدوير القضايا والانتظار الطويل أمام نيابات ومحاكم أمنية.
وعليه، لا تكفي أي قرارات عفو محدودة بمناسبة العيد إذا بقيت المعتقلات السياسيات خارجها، لأن الإفراج الانتقائي لا يعالج أصل الأزمة، ولا يرد أمًا إلى طفلها، ولا يوقف سياسة تحرم الأسر من الفرح ثم تطلب من الناس تصديق خطاب رسمي عن الإصلاح.
في النهاية، يدخل عيد الأضحى بيوتًا مصرية منقوصة لأن أمهات وبنات يقضين العيد خلف القضبان، ولأن حكومة السيسي ما زالت تتعامل مع النساء كأوراق ضغط في صراع سياسي، بينما يدفع الأطفال والأسر ثمنًا لا يراه المسؤولون في بياناتهم ولا في صور العفو الموسمية.
وبذلك، يصبح ملف المعتقلات في عيد الأضحى اختبارًا مباشرًا لصدق أي حديث رسمي عن العدالة والرحمة، فالدولة التي تحرم أمًا من طفلها وتحرم ابنة من بيتها لا تحتاج إلى خطب عن الأسرة، بل تحتاج إلى فتح أبواب السجون وإنهاء الحبس السياسي ورد العيد إلى أصحابه.

