كشفت وقائع تعطل مشروعات صناعية في أسيوط وسوهاج عن إنفاق يقارب 1.45 مليار جنيه على مرافق ومجمعات وتكتلات اقتصادية في الصعيد دون تشغيل فعلي يوازي هذا الإنفاق مما حول التنمية الصناعية من وعد حكومي معلن إلى أصول معطلة وفرص عمل مؤجلة.
وتأتي هذه الوقائع في سياق سياسي يضع الحكومة أمام مسؤولية مباشرة لا أمام أزمة إجرائية عابرة لأن المشكلة لا تتعلق بنقص التمويل فقط بل بإدارة عاجزة أنفقت المال العام ثم تركت المحطات والمجمعات خارج الخدمة بينما يدفع شباب الصعيد ثمن البطالة والهجرة.
محطة جاهزة ومجمع متوقف في عرب العوامر
بدأت الأزمة من مجمع عرب العوامر في أسيوط بعدما حصلت محطة الصرف الخاصة به على تمويل يقارب 286 مليون جنيه وانتهت أعمالها ودخلت مرحلة المعاينات منذ 2022 لكنها بقيت خارج الخدمة وهو ما جعل المجمع الصناعي نفسه رهينة مرفق مكتمل لا يعمل.
ثم توسع أثر التعطيل لأن توقف الصرف لا يعني خللا فنيا محدودا بل يعني منع المستثمر من تشغيل مصنعه ومنع العامل من فرصة دخل ومنع المحافظة من عائد اقتصادي كان يجب أن ينتج من أرض ومبان ومرافق دفعت الدولة ثمنها من المال العام.
وفي هذا السياق تكشف قراءة الدكتور وليد جاب الله عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع لأهمية افتتاح المصانع وتوطين الصناعة معيارا واضحا للمحاسبة لأن الثقة الاستثمارية لا تتولد من الجولات الرسمية بل من تشغيل المرافق التي تسمح للمصانع أن تنتج فعليا.
بيروقراطية التنمية الصناعية حولت التمويل إلى عبء
كما يظهر مجمع غرب طهطا بوصفه نموذجا آخر للإنفاق غير المنتج بعدما انتهت الأعمال دون تحقيق الاستفادة المطلوبة وهو ما يرفع قيمة الأموال المتوقفة بين عرب العوامر وغرب طهطا إلى نحو 950 مليون جنيه بلا عائد واضح على التشغيل أو العمالة أو الإنتاج.
وبينما تعلن الجهات الرسمية عن تبسيط إجراءات الاستثمار الصناعي وإتاحة الأراضي للمستثمرين فإن الوقائع الميدانية في الصعيد تفضح فجوة قاسية بين الخطاب الإداري والتنفيذ لأن المستثمر لا يحتاج إلى شعار جديد بل يحتاج إلى مرفق يعمل ورخصة واضحة وقرار لا يتعطل.
لذلك تمنح تصريحات المهندس محمد البهي عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية عن أهمية الاستثمار الصناعي ورأس المال المنتج زاوية مهمة لفهم الأزمة لأن القطاع الصناعي لا يستفيد من رقم مرصود في الموازنة إذا بقيت المنطقة الصناعية عاجزة عن استقبال التشغيل الحقيقي.
شباب الصعيد يدفع ثمن التنمية المؤجلة
وتتجاوز الأزمة حدود أسيوط وسوهاج لأن مدينة الصفا الصناعية في أسيوط تعاني من مشروعات صرف صحي مستمرة منذ 25 عاما دون إغلاق فعلي للملف وهو رقم يكشف عجزا مؤسسيا لا يمكن تبريره بتأخر مقاول أو دورة مستندية أو نقل اختصاصات بين جهات.
وبسبب هذا التعطيل تتحول التنمية الصناعية في الصعيد إلى وعد مؤجل يدفع الشباب ثمنه من أعمارهم لأن غياب المصانع العاملة يطرد العمالة إلى محافظات أخرى ويضعف قدرة الأسر على البقاء قرب مصادرها الاجتماعية ويزيد الفجوة بين الإنفاق الحكومي والنتيجة الملموسة.
وتجعل رؤية الدكتور بلال شعيب الخبير الاقتصادي لتنمية الصعيد باعتبارها ركيزة للاقتصاد المصري معيارا أكثر صرامة ضد الحكومة لأن الصعيد لا يحتاج إلى إنفاق يلمع في البيانات بل يحتاج إلى تشغيل يثبت أن البنية الأساسية صنعت قيمة لا صور افتتاح.
وفي موازاة ذلك يطرح التكتل الاقتصادي في أسيوط سؤالا أشد حرجا بعدما جرى ضخ نحو 500 مليون جنيه دون نتائج توازي حجم التمويل وهو ما ينقل الملف من خانة التعثر الإداري إلى خانة المساءلة عن جدوى الإنفاق وطريقة اختيار الأولويات وآليات المتابعة.
وتكشف الحصيلة الكاملة أن أصل المشكلة ليس في نقص الاعتمادات ولا في عزوف المستثمرين وحدهم بل في جهاز حكومي ينجح في تخصيص الأموال ثم يفشل في تحويلها إلى تشغيل مستدام وهو فشل يضاعف كلفة كل جنيه عام ويحول المرفق من أصل تنموي إلى شاهد إدانة.
وتحتاج الحكومة إلى تحقيق مالي وفني مستقل يراجع عقود الصرف ومحاضر الاستلام وأسباب عدم التشغيل ومسؤولية كل جهة عن التأخير لأن ترك الملف داخل الدوائر نفسها التي أنتجت التعطيل يعني إعادة تدوير الأزمة وفتح الباب أمام مزيد من إهدار المال العام.
وتبقى الخلاصة أن الصعيد لا يعاني من نقص الوعود بل من فائض مشروعات لا تعمل كما يجب وأن الأموال التي أنفقت في عرب العوامر وغرب طهطا والصفا والتكتل الاقتصادي لا تصبح تنمية إلا عندما تتحول إلى مصانع عاملة وفرص عمل ورقابة تحاسب المسؤول قبل أن تطلب من الشباب الصبر.

