وافق الكنيست الإسرائيلي، الأربعاء 20 مايو 2026، على مشروع قانون حل نفسه بالقراءة التمهيدية، بتأييد 110 أعضاء من دون أي صوت معارض، في خطوة دفعت إسرائيل أقرب إلى انتخابات مبكرة قبل الموعد النهائي المقرر في 27 أكتوبر المقبل.

 

وجاء التصويت وسط تصدع واضح داخل ائتلاف بنيامين نتنياهو، بعدما تحولت أزمة إعفاء طلاب المعاهد الدينية الحريدية من الخدمة العسكرية إلى نقطة انفجار سياسية، كشفت حدود قدرة رئيس الحكومة على الجمع بين مطالب الأحزاب الدينية وضغط الحرب والجيش والشارع الإسرائيلي.

 

تصويت تمهيدي يفتح باب الانتخابات قبل أكتوبر

 

مثّل التصويت في الكنيست بداية مسار تشريعي لا ينهي الحكومة فورًا، لكنه يضعها على طريق الحل إذا استكمل المشروع القراءات التالية، إذ ينتقل مشروع القانون إلى إحدى لجان الكنيست لمناقشته وتحديد موعد انتخابي محتمل، قبل عودته إلى الهيئة العامة للتصويت في القراءة الأولى ثم القراءتين الثانية والثالثة.

 

وتكمن أهمية التصويت في أنه لم يأت من المعارضة وحدها، بل جاء في ظل دفع من أطراف داخل المعسكر الذي استند إليه نتنياهو خلال السنوات الماضية، بعدما قدمت جهات من داخل الائتلاف مشروع حل البرلمان، على خلفية أزمة قانون التجنيد واتهام الحلفاء الحريديين لنتنياهو بعدم الوفاء بتعهداته.

 

وبذلك يصبح المشهد الإسرائيلي أمام مفارقة سياسية واضحة، فالحكومة التي قدمت نفسها بوصفها أكثر حكومات اليمين تماسكًا باتت تواجه احتمال الذهاب إلى انتخابات قبل أسابيع من الموعد الدستوري، ليس بسبب المعارضة فقط، بل بسبب انهيار الثقة داخل الكتلة الدينية واليمينية التي أبقت نتنياهو في السلطة.

 

كما أن تأييد 110 أعضاء من دون معارضة يعكس رغبة واسعة في دفع الأزمة إلى محطة انتخابية، رغم أن هذا التأييد لا يعني بالضرورة اتفاق الأحزاب على موعد الاقتراع أو شكل المرحلة الانتقالية، لأن كل حزب يحاول الآن إدارة توقيت الانتخابات بما يخدم حساباته داخل الشارع الإسرائيلي.

 

قانون إعفاء الحريديين يكسر تماسك ائتلاف نتنياهو

 

تتركز الأزمة الأساسية في قانون إعفاء الحريديين من الخدمة العسكرية، وهو ملف قديم عاد بقوة خلال الحرب، بعدما زادت الضغوط على الجيش والمجتمع الإسرائيليين مع استمرار جبهات غزة ولبنان وإيران، بينما تصر الأحزاب الحريدية على تثبيت وضع طلاب المعاهد الدينية خارج الخدمة العسكرية الإلزامية.

 

وفي هذا السياق، نقلت تقارير إسرائيلية عن حزب ديغل هاتوراه أنه يتجه إلى دعم مشاريع حل الكنيست، مع ترجيح انتخابات في الأول من سبتمبر، بينما يدفع حزب شاس نحو 15 سبتمبر، وهو اختلاف في الموعد لا يخفي اتفاقًا أوسع على أن نتنياهو فقد مساحة المناورة المعتادة مع شركائه.

 

وتشير مواقف ديغل هاتوراه إلى انتقال الأزمة من مستوى المساومة التشريعية إلى مستوى الثقة الشخصية والسياسية في نتنياهو، إذ قال زعيم روحي للحزب إن الثقة برئيس الحكومة انتهت بعد فشل تمرير قانون يعفي طلاب المعاهد الدينية، وهو تصريح جعل الحديث عن الانتخابات المبكرة أكثر جدية.

 

في المقابل، يحاول نتنياهو منع الانهيار النهائي عبر إعادة طرح مشروع قانون الإعفاء داخل لجنة الشؤون الخارجية والأمن، في محاولة لتقديم تنازل جديد للأحزاب الحريدية قبل استكمال مسار حل الكنيست، غير أن عدم نشر نسخة محدثة من القانون حتى الآن يعكس ارتباكًا في إدارة الملف.

 

وتزداد صعوبة موقف نتنياهو لأن قانون التجنيد لم يعد تفصيلًا داخليًا داخل الأحزاب الدينية، بل أصبح اختبارًا لمبدأ توزيع أعباء الحرب داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث يقاتل جنود الاحتياط في جبهات متعددة، بينما ترفض الأحزاب الحريدية التراجع عن إعفاءات تعتبرها جزءًا من هويتها السياسية والدينية.

 

تشريعات اللحظة الأخيرة بين القضاء والإعلام والخدمة العسكرية

 

لا يتوقف أثر حل الكنيست المحتمل عند تحديد موعد الانتخابات، لأن المرحلة الفاصلة بين القراءة التمهيدية والقراءة الثالثة تتيح تمرير قوانين خلافية قبل دخول البرلمان في وضع تصريف تشريعي محدود، وهو ما يفتح الباب أمام سباق سياسي على ملفات القضاء والإعلام والخدمة العسكرية.

 

وبحسب التفسيرات المعمول بها في الكنيست، فإن إقرار قانون الحل بالقراءة الثالثة سيقيد تمرير القوانين اللاحقة بما يحظى بتوافق سياسي، لكن ما قبل تلك المرحلة يظل مساحة مفتوحة نسبيًا أمام الائتلاف لتمرير تشريعات مثيرة للجدل، بينها فصل مهام المستشار القضائي للحكومة ومشروع إصلاح الإعلام.

 

ومن هنا تبدو معركة حل الكنيست معركة على الوقت بقدر ما هي معركة على الانتخابات، إذ يسعى نتنياهو ومعسكره إلى تأجيل السقوط بما يكفي لتمرير ملفات تهم قاعدة اليمين، بينما تسعى الأحزاب الحريدية والمعارضة إلى تسريع المسار لمنع الحكومة من استخدام الأسابيع الأخيرة لترتيب إرث تشريعي جديد.

 

كما تناقش لجنة الشؤون الخارجية والأمن مشروع قانون تمديد الخدمة العسكرية النظامية، وهو ملف يزيد التوتر مع مشروع إعفاء الحريديين، لأن الحكومة تجد نفسها في الوقت نفسه أمام مطلبين متناقضين: تمديد خدمة قطاعات من الإسرائيليين، وتكريس إعفاء قطاعات أخرى من الخدمة.

 

وفي الخلفية، تتحرك استطلاعات الرأي ضد نتنياهو، إذ تشير تقارير دولية إلى أن ائتلافه قد لا يحصل على أغلبية برلمانية إذا جرت الانتخابات، رغم أن المعارضة بدورها لا تملك ضمانة أكيدة لتشكيل حكومة مستقرة، وهو ما قد يبقي نتنياهو في موقع حكومة انتقالية إذا عجز خصومه عن بناء بديل.

 

وتضع هذه المعطيات إسرائيل أمام أزمة سياسية تتجاوز خلافًا على قانون واحد، لأن التصويت على حل الكنيست كشف تآكل قدرة نتنياهو على إدارة تناقضات ائتلافه، وحوّل قضية التجنيد من ملف ديني داخلي إلى مفتاح محتمل لانتخابات مبكرة قد تعيد رسم الخريطة السياسية بعد سنوات الحرب.

 

وفي النهاية، لا يعني تصويت الأربعاء سقوط الحكومة فورًا، لكنه يعني أن نتنياهو دخل مرحلة دفاعية صعبة داخل الكنيست نفسه، وأن الأحزاب التي منحته البقاء بدأت تستخدم ورقة الحل ضده، بينما تنتظر إسرائيل أسابيع حاسمة ستحدد ما إذا كانت ستذهب إلى انتخابات مبكرة أم إلى تسوية مؤقتة جديدة.