حذر النائب حسن عمار، في مجلس النواب، من توسع شركات التمويل الاستهلاكي والتقسيط غير المصرفي في مصر، بعد وصول التمويلات غير المصرفية إلى نحو 1.4 تريليون جنيه لصالح 64 مليون عميل عبر 2532 شركة وجهة، بما يضع الأسر المصرية أمام خطر الديون المتراكمة والتعثر المالي.
وتأتي هذه التحذيرات بينما تدفع الحكومة المواطنين إلى مواجهة الغلاء بأدوات دين لا بأجور كافية، فتتحول شركات التقسيط إلى بديل يومي عن الدخل الحقيقي، وتصبح الدولة أمام سؤال مباشر عن مسؤوليتها في ترك سوق تمويل واسع يتحرك بسرعة أكبر من قدرة الرقابة على ضبطه.
التمويل الاستهلاكي يتحول إلى ديون يومية للأسر
بدأت الأزمة مع انتشار شركات التمويل الاستهلاكي داخل المراكز التجارية والأسواق والتطبيقات الإلكترونية، حيث لم يعد التقسيط مجرد خدمة مالية محدودة، بل أصبح منتجا يوميا يلاحق المواطنين في شراء الأجهزة والسلع والخدمات، وسط حملات تسويق تقدم الاقتراض باعتباره حلا طبيعيا لضغط المعيشة.
ثم زاد الخطر مع ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع القدرة الشرائية للأسر، لأن المواطن الذي يلجأ إلى التمويل لسد احتياجات أساسية لا يدخل علاقة مالية اختيارية بالكامل، بل يتحرك تحت ضغط أسعار الغذاء والسكن والتعليم والصحة، بينما تترك الحكومة جذور الأزمة وتراقب اتساع سوق الديون.
وفي هذا المحور، يضع تحذير حسن عمار المسؤولية السياسية أمام الحكومة، لأنه ربط التوسع في التمويل الاستهلاكي بتحول المجتمع من الادخار والعمل والإنتاج إلى الأقساط والغرامات والتعثر، كما طالب بتقرير رسمي يعرض على البرلمان والرأي العام بدل الاكتفاء ببيانات تطمين عامة.
لذلك لا تبدو المشكلة في وجود التمويل نفسه، بل في تسويقه باعتباره نمط حياة للأسر المنهكة، لأن شركات التقسيط تربح من تمديد آجال السداد وزيادة الرسوم والغرامات، بينما يتحمل العميل وحده كلفة قرار اتخذته الدولة حين تركت الدخل الحقيقي أقل من أسعار السوق.
بنوك الظل تكبر أسرع من أدوات الرقابة
بعد ذلك، كشفت بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية أن حجم محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي بلغ حوالي 417 مليار جنيه بنهاية 2025، وأن العقود التمويلية تجاوزت 9.8 مليون عقد، مع استفادة 64 مليون عميل من الأنشطة الخاضعة لرقابة الهيئة، وهو اتساع لا يمكن اعتباره تفصيلا إداريا.
غير أن ضخامة الأرقام تطرح سؤالا رقابيا مباشرا، لأن متابعة 2532 شركة وجهة تحتاج إلى أدوات تفتيش وبيانات لحظية وربط ائتماني صارم، ولا يكفي أن تعلن الهيئة انخفاض نسب التعثر إلى أقل من 3% بينما تتزايد الشكاوى من منح تمويلات سريعة دون دراسة كافية لقدرة العملاء.
وفي هذا السياق، حذر هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، من توسع إقراض الأفراد خارج القطاع المصرفي التقليدي، ووصف هذا النشاط ببنوك الظل، وهو تحذير مصرفي مهم لأنه ينقل الأزمة من مستوى حماية المستهلك إلى مستوى سلامة النظام المالي كله.
كما يضيف الخبير المصرفي تامر يوسف زاوية رقابية أوسع، إذ يرى أن الجدل حول بنوك الظل يجب أن يمتد إلى قطاعات أخرى تعمل خارج الإطار المصرفي التقليدي، وهو ما يعني أن الخطر لا يقف عند شركات التقسيط فقط، بل عند منظومة ائتمان واسعة تتضخم خارج البنوك.
التوريق يفتح باب العدوى المالية والتضخم
في المقابل، لا تقف المخاطر عند تعثر الأفراد، لأن توسع شركات التمويل في تحويل الديون إلى أوراق مالية قابلة للتداول ينقل العبء من جيوب الأسر إلى السوق المالية، فإذا زادت القروض الرديئة أو ضعفت قدرة السداد فقد تنتقل العدوى إلى مؤسسات أكبر مرتبطة بالتمويل أو الشراء أو التوريق.
ولهذا شدد البنك المركزي المصري ضوابط تمويل البنوك لشركات القطاع المالي غير المصرفي، وألزم البنوك بسياسات داخلية معتمدة وسقوف واضحة ومتابعة للإفصاح الائتماني، وهو تحرك يعكس اعترافا رسميا بأن السوق لم يعد نشاطا هامشيا يمكن تركه لرقابة عادية أو بيانات طمأنة.
على الجانب الآخر، دافع الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، عن القطاع مؤكدا أن الضوابط الرقابية أسهمت في استقرار الأنشطة وانخفاض التعثر، لكن هذا الدفاع لا يلغي أن اتساع التمويل بهذا الحجم يتطلب شفافية أكبر حول توزيع القروض والدخول والغرامات ونسب التعثر حسب الشرائح.
كذلك يضع تراجع الادخار من 15% إلى نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي علامة إنذار إضافية، لأن مجتمع الديون لا يستطيع تحمل موجات تضخم جديدة، وكل قسط شهري يقتطع من دخل الأسرة يقلل قدرتها على الإنفاق الضروري ويزيد هشاشة السوق أمام أي صدمة في الأسعار أو الوظائف.
وفي النهاية، تضع أزمة التمويل الاستهلاكي الحكومة أمام مسؤولية لا تحتمل التأجيل، فإما أن تضبط الإعلانات والمنصات والتطبيقات وسقوف الإقراض وتعلن بيانات تفصيلية عن التعثر والتوريق، وإما أن تترك ملايين الأسر تنتقل من ضيق المعيشة إلى فخ الديون، بينما تكبر بنوك الظل خارج رقابة كافية.

