أعلنت الشركة القابضة لكهرباء مصر، في أبريل 2026، توحيد سعر الكهرباء للعداد الكودي عند 2.74 جنيه لكل كيلووات ساعة، بدلًا من 2.14 جنيه، فانتقلت ملايين الوحدات المخالفة من شرائح استهلاك متدرجة إلى سعر عقابي ثابت منذ أول كيلووات.

 

وبذلك، نقلت الحكومة ملف مخالفات البناء من مكاتب التصالح إلى عدادات الكهرباء داخل البيوت، وحولت الخدمة الأساسية إلى أداة ضغط مالي يومي. فالساكن لم يحصل على ملكية قانونية كاملة، لكنه صار مطالبًا بدفع سعر كامل بلا دعم وبلا ضمان اجتماعي واضح.

 

سعر العقاب يبدأ من أول كيلووات

 

بعدها، كشف القرار أن العداد الكودي لم يعد حلًا مؤقتًا لمنع سرقة التيار أو تنظيم الاستهلاك، بل صار وسيلة لتحصيل فرق مالي كبير من سكان عالقين بين مخالفة قديمة وإجراءات تصالح بطيئة وميزانية منزلية منهكة بفواتير متتابعة.

 

لذلك، يدفع صاحب العداد الكودي السعر نفسه عند استهلاك محدود أو مرتفع، بينما يحتفظ صاحب العداد القانوني بنظام الشرائح الذي يبدأ بأسعار أقل. هذه المعادلة تجعل الأسرة الصغيرة داخل عقار مخالف تتحمل من أول كيلووات كلفة لا تناسب دخلها ولا استهلاكها.

 

هنا، تمنح كتابات وائل جمال عن العدالة الاجتماعية وسياسات الإفقار مدخلًا مباشرًا لفهم القرار. فالمشكلة لا تقف عند رفع سعر خدمة، بل تتعلق بسياسة عامة تفضل تحصيل المال من القاعدة الواسعة بدل مواجهة جذور المخالفة والفساد الإداري.

 

كما أن الحكومة لا تقدم للمتضرر مسارًا سريعًا ومضمونًا للخروج من العداد الكودي، لكنها تطالبه بالدفع فورًا. المواطن يدخل الدائرة من باب الاحتياج للكهرباء، ثم يجد نفسه داخل نظام يحاسبه كسكان مخالفين دائمين حتى يثبت العكس.

 

التصالح البطيء يصنع فاتورة إجبارية

 

ثم ربطت الحكومة السعر الجديد بقانون التصالح رقم 187 لسنة 2023، وقالت إن العقارات المخالفة التي وصلت إليها المرافق تحاسب بسعر التكلفة من دون دعم. هذا الربط يحول التصالح من إجراء قانوني إلى شرط مالي يومي يضغط على السكان قبل إنهاء ملفاتهم.

 

وبينما تتحدث الحكومة عن تقنين الأوضاع، يواجه المواطن قوائم أوراق ومعاينات ونماذج ورسومًا ومواعيد مؤجلة داخل المحليات. التأخير الإداري لا يقع على الجهة التي تدير الملف، بل يقع على الأسرة التي تفتح شاحن العداد فتكتشف أن كل كيلووات صار عقوبة جديدة.

 

من جهته، يضع محمد رمضان هذه الأزمة داخل سياق أوسع عبر دراساته عن الفقر والعدالة الاجتماعية وتأثير التقشف على المصريين. فرفع أسعار الخدمات العامة لا يصيب الجميع بالتساوي، لأنه يضغط أولًا على الأسر التي تنفق معظم دخلها على الاحتياجات الأساسية.

 

عند هذه النقطة، يظهر التناقض بوضوح؛ فالعداد الكودي لا يمنح صاحبه امتيازات الملكية أو الحماية القانونية، لكنه يمنح الدولة حق التحصيل الكامل. الحكومة ترفض الاعتراف الكامل بالوضع السكني، لكنها تعترف به فورًا عندما تريد سحب المال من جيب المواطن.

 

الدولة تعاقب الساكن بدل منظومة المخالفة

 

في المقابل، تكشف تصريحات رئيس الوزراء أن الحكومة ترى العداد الكودي استثناءً اجتماعيًا لا حقًا خدميًا، وتعتبر الدعم مرتبطًا بتقنين الوضع. هذا المنطق يتجاهل أن الساكن الحالي ليس دائمًا هو من بنى المخالفة أو ربح من توسعها العمراني.

 

وتحت هذا الضغط، تتحول الكهرباء في مصر إلى أداة فرز اجتماعي داخل المناطق المخالفة والعشوائية. من أنهى التصالح يدخل نظام الدعم والشرائح، ومن تعثر في الأوراق يدفع سعر التكلفة، رغم أن الخدمتين تصلان من الشبكة نفسها وبالتيار نفسه.

 

على الجانب السياسي الاقتصادي، تساعد قراءة عمرو عادلي لعلاقة الدعم بالعدالة في كشف خلل أعمق. فالدولة لا تعيد توجيه الدعم إلى الأكثر احتياجًا هنا، بل تنتزع حماية السعر من فئات هشة تحت عنوان المخالفة، وتتركهم أمام سوق خدمة لا يمكن الاستغناء عنها.

 

أمام ذلك، يضيف زياد بهاء الدين زاوية الحماية الاجتماعية وربط الدعم بالتضخم وقدرة الدولة على تحديد المستحقين بدقة. فإذا كانت الحكومة قادرة على بناء قواعد بيانات واستهداف الفئات، فلا مبرر لفرض سعر واحد أعمى على كل أصحاب العدادات الكودية.

 

أما الخلاصة، فهي أن العداد الكودي لم يعد مجرد عداد مؤقت على عقار غير مرخص، بل صار بابًا رسميًا لتحويل فشل المحليات والرقابة والتصالح إلى فاتورة كهرباء قسرية. الحكومة اختارت الطريق الأسهل: تعاقب الساكن، وتحصّل السعر، وتترك أصل المخالفة قائمًا.