كشفت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في تقرير بعنوان “هل تخرج مصر من بحر الرمال؟” عن وصول نسبة الدين الخارجي المصري إلى 44.2% من الناتج المحلي الإجمالي في يونيو 2025، مقارنة بنسبة لم تتجاوز 15% في 2015، مؤكدة أن الحكومات المتعاقبة منذ اتفاق قرض صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016 دفعت البلاد إلى موجة توسع غير مسبوقة في الاستدانة الخارجية انتهت بتضخم أعباء السداد وتراجع الإنفاق على التنمية والخدمات الأساسية.

 

ربط التقرير بين تضخم الديون الخارجية وسياسات حكومية اعتمدت تمويل مشروعات غير إنتاجية عبر الاقتراض وبيع الأصول العامة، بينما تراجعت مخصصات الإنفاق الاجتماعي وتآكلت القدرة الشرائية للمواطنين بفعل خفض قيمة الجنيه وارتفاع التضخم، الأمر الذي دفع الحكومة نفسها إلى الاعتراف علنًا بأن ملف الدين أصبح يثير تساؤلات حول القدرة على الاستمرار في ظل تصاعد كلفة خدمة القروض.

 

خريطة الدائنين تغيرت بعد 2013 والدين الخارجي تضاعف بصورة غير مسبوقة

 

أظهر تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن خريطة الدائنين الخارجيين لمصر شهدت تحولاً جذرياً منذ يونيو 2011، بعدما كانت 43% من الديون الخارجية مملوكة لأربع دول فقط هي اليابان وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة، بينما لم تتجاوز حصة دول الخليج حينها 4.6% من إجمالي الدين الخارجي.

 

ثم تغير هذا المشهد بصورة حادة بعد تدفق التمويلات الخليجية منذ عام 2013، لترتفع حصة الدول العربية إلى نحو 35% من الدين الخارجي المصري بحلول يونيو 2016، في وقت تراجع فيه نصيب المؤسسات الدولية إلى الربع قبل أن يعاود الارتفاع مجددًا عقب توقيع اتفاق قرض صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016.

 

وفي هذا السياق، قالت أستاذة الاقتصاد سالي صلاح إن التوسع في الاستدانة الخارجية بعد 2016 لم يكن استجابة مؤقتة لأزمات عالمية كما تروج الحكومة، بل جاء نتيجة مباشرة لنموذج اقتصادي اعتمد على الاقتراض السريع لتمويل مشروعات ضخمة دون خلق موارد إنتاجية قادرة على سداد الالتزامات المستقبلية.

 

وأضافت سالي صلاح أن ارتفاع نسبة الدين الخارجي إلى 44.2% من الناتج المحلي يعكس فشل السياسات المالية في بناء اقتصاد منتج، لأن الحكومة لجأت إلى الاقتراض المتكرر لتغطية العجز وسداد قروض سابقة، وهو ما أدخل الاقتصاد المصري في دائرة مغلقة من إعادة الاستدانة بدلًا من معالجة جذور الأزمة.

 

كما أوضح التقرير أن جزءًا كبيرًا من الديون الجديدة استخدم في تمويل مشروعات لا تحظى بأولوية تنموية حقيقية، بينما ذهب جزء آخر لسداد التزامات ديون سابقة تضاعفت أعباؤها بعد تخفيض قيمة الجنيه أكثر من مرة تنفيذًا لشروط المؤسسات الدولية المقرضة.

 

وفي المقابل، واصل رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الدفاع عن سياسات الحكومة، بعدما تعهد في ديسمبر 2025 بخفض نسبة الدين الخارجي إلى 40% من الناتج المحلي، رغم أن بيانات العقد الأخير تكشف استمرار تصاعد الديون بوتيرة أسرع من معدلات النمو الاقتصادي الحقيقي.

 

صندوق النقد وبيع الأصول يدفعان الاقتصاد إلى مأزق متصاعد

 

أكد تقرير المبادرة أن اتفاق قرض صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016 مثل نقطة تحول رئيسية في مسار الدين الخارجي المصري، بعدما ارتبطت برامج التمويل الدولية بشروط تضمنت خفض قيمة العملة ورفع أسعار الطاقة وتقليص الدعم والتوسع في الخصخصة وبيع الأصول العامة.

 

وأوضح الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن الحكومة استخدمت القروض الخارجية باعتبارها وسيلة لشراء الوقت وليس لإعادة هيكلة الاقتصاد، مشيراً إلى أن الأموال المقترضة لم توجه إلى قطاعات إنتاجية قادرة على توليد إيرادات دولارية مستقرة تساعد في تقليص الدين.

 

وأضاف النحاس أن اللجوء إلى الأموال الساخنة وسندات الدين قصيرة الأجل ضاعف هشاشة الاقتصاد المصري، لأن هذه التدفقات ترتبط بالمضاربة وسرعة الخروج من السوق، وهو ما تسبب في ضغوط متكررة على سعر الصرف واحتياطي النقد الأجنبي خلال السنوات الماضية.

 

كما حذر التقرير من أن الديون الواجبة السداد خلال أقل من عام بلغت ما يعادل 112% من احتياطي النقد الأجنبي، وهو مؤشر يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الدولة في تدبير العملات الأجنبية اللازمة لخدمة الديون وفوائدها خلال الفترات المقبلة.

 

وفي الإطار ذاته، قال الباحث السياسي مراد علي إن الحكومة نقلت ملف الاقتصاد بالكامل إلى دائرة الإدارة الأمنية والقرارات المغلقة، بينما غاب البرلمان والرأي العام عن مناقشة القروض الكبرى والمشروعات التي تم تمويلها عبر الاستدانة الخارجية.

 

وأشار مراد علي إلى أن التوسع في بيع الأصول العامة تحت عنوان مبادلة الديون بالاستثمارات يعكس وصول الحكومة إلى مرحلة البحث عن سيولة عاجلة بأي ثمن، بعدما تحولت الشركات والبنوك العامة إلى أدوات لسداد الالتزامات الخارجية بدلًا من استخدامها في بناء اقتصاد منتج ومستدام.

 

كذلك تناول التقرير توجه الحكومة نحو خصخصة شركات وبنوك مملوكة للدولة لجمع الأموال اللازمة لسداد المديونيات، وهو المسار الذي اعتبره مراقبون انتقالاً من سياسة الاقتراض إلى سياسة التفريط في الأصول العامة لسد الفجوات التمويلية المتراكمة.

 

مطالب بإخضاع الديون لرقابة البرلمان وإنهاء الاقتراض العشوائي

 

دعا تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى وضع ملف الديون الخارجية بالكامل تحت إشراف البرلمان، بحيث لا تبرم أي جهة حكومية قروضًا خارجية دون موافقة تشريعية مسبقة تتضمن خطة واضحة للسداد واستخدام الأموال المقترضة وأولويات الإنفاق المرتبطة بها.

 

وفي هذا السياق، قال الكاتب والباحث عمار علي حسن إن غياب الرقابة البرلمانية الفعلية على ملف الديون سمح للحكومة بتوسيع الاقتراض دون مساءلة حقيقية، بينما تحمل المواطنون نتائج هذه السياسات عبر التضخم ورفع الأسعار وتراجع الإنفاق على الخدمات العامة.

 

وأضاف عمار علي حسن أن الأزمة تجاوزت حدود الأرقام الاقتصادية، لأن خدمة الدين أصبحت تنافس الإنفاق على الصحة والتعليم والدعم الاجتماعي داخل الموازنة العامة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على مستويات المعيشة واتساع معدلات الفقر داخل المجتمع المصري.

 

كما أوصى التقرير بوضع خطة خمسية معلنة للمشروعات التي سيتم تمويلها عبر الاقتراض الخارجي، على أن تتضمن الخطة برامج موازية لتنمية الموارد الدولارية القادرة على دعم السداد، مع إلزام الحكومة بتقديم تقارير دورية حول درجة الالتزام بهذه الخطط أمام البرلمان.

 

ومن جانبه، قال د. مصطفى جاويش إن المشكلة الأساسية لا تتعلق بحجم الدين فقط، بل بطبيعة آجال السداد القصيرة التي تفرض ضغوطاً مستمرة على الاحتياطي النقدي، موضحاً أن الاعتماد على ديون قصيرة الأجل يضع الاقتصاد في حالة استنزاف دائم للعملة الأجنبية.

 

وأشار جاويش إلى أن العودة إلى هيكل ديون طويلة الأجل تتجاوز خمس سنوات تمثل ضرورة عاجلة لتخفيف الضغوط المالية، إلى جانب ضرورة نشر شروط القروض وأسعار الفائدة والالتزامات المرتبطة بها، لأن غياب الشفافية ساهم في تفاقم المخاطر المرتبطة بالاستدانة الخارجية.

 

وفي الوقت نفسه، طالب التقرير بإعادة هيكلة السياسات الضريبية لتصبح أكثر عدالة وكفاءة بما يوفر موارد مستقرة للدولة بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي، مع توجيه الإنفاق نحو القطاعات الإنتاجية والخدمية القادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد.

 

وفي ظل تصاعد أعباء خدمة الدين وتراجع قدرة الاقتصاد على توليد موارد دولارية كافية، تواجه الحكومة اتهامات متزايدة بتحويل مصر إلى اقتصاد يعتمد على الاقتراض وبيع الأصول لسداد الالتزامات السابقة، بينما تتآكل فرص التنمية الحقيقية وتتراجع مستويات المعيشة تحت ضغط الديون المتراكمة وشروط المؤسسات الدولية.