تناقش الكاتبات لورا مورغان روبرتس وإيميلي هيفي وبريانا باركر كازا، في مقال نشرته هارفارد بيزنس ريفيو، فكرة مختلفة حول تطوير الذات والنمو المهني، تقوم على دراسة لحظات النجاح والإنجاز بدل التركيز المستمر على الأخطاء ونقاط الضعف. وترى الكاتبات أن الإنسان يحقق تطورًا أعمق حين يفهم الظروف والسلوكيات التي جعلته في أفضل حالاته، لأن تلك اللحظات تكشف قدراته الحقيقية وتساعده على بناء هوية أكثر ثقة واتزانًا.


وتوضح هارفارد بيزنس ريفيو أن الباحثات قدمن قبل نحو خمسة عشر عامًا نموذجًا عمليًا حمل اسم «تمرين انعكاس أفضل نسخة من الذات»، وهو أسلوب تدريبي يعتمد على جمع شهادات وقصص من الآخرين تصف اللحظات التي ظهر فيها الشخص بأفضل صورة ممكنة، ثم تحليل تلك المواقف لاكتشاف نقاط القوة الحقيقية وكيفية تكرارها في الحياة والعمل.


لماذا يقود التركيز على النجاح إلى تطور أعمق؟


ترى الكاتبات أن أغلب برامج التطوير المهني تعتمد على معالجة العيوب ونقاط الضعف، بينما يؤدي هذا الأسلوب أحيانًا إلى إنهاك نفسي وفقدان الحافز. في المقابل، يساعد التركيز على النجاحات السابقة في بناء طاقة إيجابية تعزز الثقة بالنفس وتشجع الفرد على التقدم بثبات.


ويشرح المقال أن الإنسان لا يرى دائمًا أفضل صفاته بوضوح، لذلك تلعب ملاحظات الآخرين دورًا مهمًا في كشف الجوانب التي يترك عبرها أثرًا إيجابيًا داخل بيئة العمل أو العلاقات الاجتماعية. فعندما يسمع الشخص قصصًا حقيقية عن مواقف ألهم فيها الآخرين أو نجح في حل مشكلة أو دعم فريقه، يبدأ في إدراك قيمته بطريقة أكثر واقعية وعمقًا.


وتؤكد الكاتبات أن هذا الإدراك لا يهدف إلى صناعة صورة مثالية أو متضخمة عن الذات، بل يساعد الفرد على التعرف إلى المهارات والسلوكيات التي تمنحه شعورًا بالانسجام الداخلي والفاعلية المهنية.


كيف يعمل تمرين «أفضل نسخة من الذات»؟


يعتمد التمرين على طلب تغذية راجعة من أشخاص تعاملوا مع الفرد في مواقف مختلفة، سواء داخل العمل أو خارجه، مع التركيز على لحظات محددة ظهر خلالها بأفضل أداء أو أكثر سلوك مؤثر وإيجابي.


بعد جمع القصص والملاحظات، يبدأ الشخص في تحليل الأنماط المشتركة داخل تلك التجارب، مثل مهارات التواصل أو القيادة أو القدرة على تهدئة الأزمات أو دعم الآخرين. ومن خلال هذا التحليل، يستطيع بناء صورة أوضح عن نقاط القوة التي تستحق الاستثمار والتطوير.


ويشير المقال إلى أن آلاف الأشخاص حول العالم استخدموا هذا النموذج داخل برامج القيادة وبناء الفرق والتدريب التنفيذي، إضافة إلى الجامعات والمؤسسات التعليمية، لأن نتائجه تساعد على رفع الوعي الذاتي وتحسين العلاقات المهنية والشخصية.


وترى الكاتبات أن دراسة النجاحات تمنح الفرد خريطة عملية للنمو، إذ يصبح أكثر قدرة على تكرار السلوكيات التي قادته إلى الإنجاز بدل البقاء أسير النقد الذاتي المستمر.


النمو الحقيقي يبدأ من فهم الذات


يربط المقال بين التطور الشخصي والقدرة على تكوين هوية مهنية مستقرة وواضحة. فعندما يفهم الإنسان نقاط قوته الحقيقية، يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات مهنية تتوافق مع شخصيته وقيمه، كما يزداد شعوره بالمرونة النفسية في مواجهة الضغوط والتحديات.


وتؤكد الكاتبات أن أفضل لحظات الإنسان ليست مجرد ذكريات عابرة، بل تمثل أدلة عملية على ما يستطيع تحقيقه عندما يعمل بكامل طاقته وانسجامه الداخلي. لذلك، فإن العودة إلى تلك اللحظات وتحليلها تساعد على بناء مستقبل أكثر وضوحًا وثقة.


ويختتم المقال بالتأكيد على أن التحول الشخصي لا يبدأ دائمًا من إصلاح العيوب، بل قد يبدأ من فهم النجاحات الصغيرة التي كشفت أفضل ما فينا، ثم تحويل تلك اللحظات إلى قاعدة مستمرة للنمو والتقدم.

 

https://hbr.org/2019/05/to-become-your-best-self-study-your-successes