كشف إبراهيم أبو العطا، الأمين العام لنقابة أصحاب المعاشات، أن أصحاب المعاشات لن ينتفعوا من أموالهم إلا إذا غادرت الدولة نمط الاستثمار الجامد في أذون وسندات الخزانة والودائع البنكية، واتجهت إلى إدارة اقتصادية تحقق عوائد أعلى وتعيد للمتقاعدين جزءا من حقوقهم المعلقة.

 

وتفضح هذه التصريحات أزمة أعمق من قيمة المعاش الشهري، لأن حكومة السيسي تترك الحد الأدنى عند 1755 جنيها، ثم تفتح على كبار السن أبواب فواتير لا ترحم من الكهرباء والمياه والإيجار القديم وتأخير الصرف، فيتحول التقاعد من حق مستقر بعد سنوات العمل إلى اختبار يومي للبقاء تحت ضغط الأسعار.

 

أموال المعاشات بين الاستثمار الجامد وغياب الإدارة العادلة

 

قال أبو العطا حسن عبر فضائية الشمس، إن إدارة أموال المعاشات يمثل المدخل الحقيقي لأي استفادة، وربط ذلك بالخروج من الاستثمار التقليدي في أدوات الدين والودائع ذات العوائد الثابتة، لأن بقاء الأموال داخل الدائرة الآمنة شكلا والمحدودة عائدا فعلا يحرم أصحابها من تعويض حقيقي عن الغلاء.

 

وفي السياق نفسه، شدد الأمين العام لنقابة أصحاب المعاشات على ضرورة وجود إدارة تدير هذه الاستثمارات بعقلية اقتصادية، وأكد أن هناك بدائل استثمارية أخرى يمكن أن تحقق فوائد آمنة، بما يعني أن المشكلة لا تتعلق بندرة الأموال وحدها بل بطريقة توجيهها تحت سقف حكومي ضيق.

 

ويخدم رأي الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني هذا المحور تحديدا، لأنه انتقد تعديلات قانون التأمينات التي تبقي أصحاب المعاشات تحت ضغط التضخم، وطالب بربط الحد الأدنى للمعاشات بالحد الأدنى للأجور، وجعل العلاوة السنوية مساوية لمعدل التضخم دون حد أقصى، حتى لا تبتلع الأسعار أي زيادة.

 

ومن هنا، تكشف أزمة الاستثمار أن الدولة تتعامل مع أموال التأمينات باعتبارها أداة مريحة لتمويل عجزها، لا باعتبارها أجورا مؤجلة تخص العمال والموظفين بعد خروجهم من الخدمة، بينما يدفع صاحب المعاش ثمن هذا الاختيار عندما يجد نفسه أمام معاش لا يساوي تكلفة أسبوع معيشة.

 

1755 جنيهًا لا تصمد أمام الكهرباء والإيجار القديم

 

أشار أبو العطا إلى أن الحد الأدنى للمعاشات البالغ 1755 جنيها لا يكفي فاتورة الكهرباء، وربط ذلك برفع أسعار شرائح الكهرباء على المباني المخالفة التي تستخدم العدادات الكودية من الشريحة الأدنى إلى الشريحة الأعلى، وهو قرار يضرب كبار السن داخل بيوتهم لا داخل أرقام الميزانية.

 

وبعد ذلك، تتسع الأزمة مع قانون الإيجار القديم، إذ أكد أبو العطا أن 80% من متضرري زيادات أسعار الوحدات من أصحاب المعاشات، وهذه النسبة تعني أن شريحة واسعة من كبار السن تواجه في الوقت نفسه معاشا هزيلا وفاتورة كهرباء أعلى وإيجارا مرشحا للزيادة.

 

وتدعم الباحثة سلمى حسين هذا المحور من زاوية العدالة الاجتماعية، إذ طرحت في ورقة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ضرورة رفع الحد الأدنى للمعاش ليتوافق مع الحد الأدنى لتكلفة المعيشة الكريمة ومع التضخم، وهو طرح يضع قيمة 1755 جنيها في مواجهة مباشرة مع الواقع لا مع بيانات الحكومة.

 

لذلك، لا تبدو الزيادة الاسمية في المعاشات حماية فعلية، لأن صاحب المعاش لا يحاسب السوق بأرقام الخطابات الرسمية، بل يدفع من جيبه ثمن الدواء والكهرباء والمواصلات والغذاء والإيجار، وكل بند من هذه البنود يتحرك بسرعة أكبر من أي علاوة حكومية محدودة.

 

كما أن تحويل أصحاب المعاشات إلى متضررين دائمين من قرارات الكهرباء والإيجار يكشف انحيازًا قاسيًا في السياسة العامة، فالحكومة تملك أدوات الإعفاء والتخفيض والدعم الخدمي، لكنها تختار غالبا تحميل الفئات الأضعف تكلفة القرارات التي تصدر من أعلى دون حماية اجتماعية كافية.

 

دعم خدمي وتعويضات تأخير بدل ترك المتقاعدين للديون

 

دعا أبو العطا إلى تدخل الدولة لرعاية أصحاب المعاشات اجتماعيا وتخصيص جزء من الميزانية لهم، ولم يطرح ذلك كمنحة سياسية بل كحق لفئة دفعت اشتراكاتها عبر سنوات العمل، ثم وجدت نفسها بعد التقاعد أمام موجة غلاء لا تتوقف ولا تنتظر.

 

وعلى هذا الأساس، طالب أبو العطا بدعم غير مادي يشمل منح شرائح مجانية من الكهرباء والمياه أو تخفيضها بنسبة 50%، وإعفاء المتقاعدين من رسوم استخراج الوثائق الرسمية، وجعل المواصلات العامة مجانية لا مترو الأنفاق فقط، لأن تكلفة هذا الدعم أقل من الدعم النقدي المباشر.

 

ويرتبط رأي الصحفي الاقتصادي محمد جاد بهذا المحور من جهة أثر تسليع الكهرباء على الفئات الأضعف، إذ تناول في دراسة مستقلة كيف تحولت الكهرباء من خدمة عامة إلى عبء سعري يتأثر بسياسات التمويل والتسعير، وهو ما يجعل دعم الشرائح الهشة ضرورة لا رفاهية.

 

ثم جاءت أزمة تأخير صرف المعاشات بسبب مشكلات النظام الإلكتروني الجديد للهيئة لتكشف وجها أكثر قسوة، إذ قال أبو العطا إن من خرج للمعاش منذ يناير وحتى الآن قد يبقى 4 أشهر بلا دخل، وسأل بوضوح عن مصدر طعام أبناء المتوفى خلال هذه المدة.

 

ومن ثم، طالب أبو العطا بصرف تعويضات فورية عن فترات التأخير بعد حل الأزمة، لأن أصحاب المعاشات أو ورثتهم اضطروا إلى الاقتراض والاستدانة بفائدة من أجل الطعام، وهذا التأخير لا يمثل عطلا إداريا بسيطا بل حرمانا مباشرا من مورد أساسي لأسرة كاملة.

 

في النهاية، يضع ملف أصحاب المعاشات حكومة السيسي أمام اختبار واضح، فإما أن تتعامل مع أموال التأمينات والمعاشات كحقوق خاصة تحتاج إدارة شفافة وعائدا عادلا وحماية خدمية، وإما أن تواصل دفع كبار السن إلى حافة الفقر عبر معاش 1755 جنيها وفواتير تتجاوز طاقتهم.

 

وتبقى الخلاصة أن أزمة المعاشات ليست رقما في جدول الصرف، بل سلسلة قرارات تبدأ من إدارة الأموال وتنتهي عند عداد الكهرباء وشباك المواصلات وباب مصلحة حكومية، وكل حل لا يعوض التأخير ولا يخفض الفواتير ولا يربط المعاش بتكلفة المعيشة سيبقى التفافا على معاناة واضحة.