حذرت النائبة هايدي المغازي عضو مجلس النواب خلال الجلسات الأخيرة من اتساع الفجوة بين التعليم الجامعي وسوق العمل، وقدمت طلب إحاطة بشأن وصول بطالة الشباب إلى 13.2% وارتفاعها بين حملة المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة والجامعية إلى 16.8%، ففتح التقرير البرلماني ملف خريجين تركتهم الدولة بلا مهارات حقيقية.

 

تضع هذه الأرقام حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أمام اتهام مباشر بإنتاج بطالة متعلمة، لأن الجامعات توسعت في الأعداد والمباني واللافتات، بينما بقي الطالب داخل تعليم نظري ضعيف التدريب والشراكة مع القطاع الخاص، ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليكشف أن الخريج لا يواجه سوقًا صعبًا فقط بل يواجه دولة لم تجهزه له.

 

الجامعات توسعت في الأعداد وتركت الخريجين خارج سوق العمل

 

بعد تقديم طلب الإحاطة، لم تعد أزمة خريجي الجامعات مجرد شكوى فردية من شاب يبحث عن وظيفة، لأن الرقم البرلماني كشف أن البطالة بين حملة المؤهلات وصلت إلى 16.8%، بينما بلغت بطالة الفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا نحو 13.2%، وهي فجوة تضرب الجيل الداخل إلى العمل.

 

في المقابل، تحاول الحكومة تقديم انخفاض المعدل العام للبطالة إلى 6.3% خلال 2025 كدليل تحسن، لكن هذا الرقم يخفي مأزق الخريجين، لأن البطالة بين المتعلمين أعلى من المتوسط العام، وهو ما يعني أن الشهادة لم تعد ضمانة للعمل بل صارت دليلًا على خلل تعليمي واقتصادي.

 

لذلك، يكشف حديث هايدي المغازي عن فجوة واضحة بين مخرجات التعليم الجامعي ومتطلبات سوق العمل، لأن الجامعة تخرج آلاف الطلاب كل عام دون تدريب عملي كاف أو مهارات رقمية أو قدرة على التفكير النقدي، ثم تتركهم أمام شركات تطلب خبرة وأدوات لا توفرها القاعات الدراسية.

 

وهنا يخدم د. راجي أسعد هذا المحور بوضوح، لأنه درس انتقال الشباب من التعليم إلى العمل في مصر، وركز على صعوبة دخول الشباب إلى سوق العمل وعلى أثر التعليم والنوع الاجتماعي في فرص التشغيل، وهو ما يجعل بطالة الخريجين نتيجة بنيوية لا خطأ فرديًا.

 

بناء على ذلك، يصبح التوسع في الجامعات بلا تطوير حقيقي في الجودة سياسة إنتاج بطالة، لأن الدولة تفتتح كليات وتعلن مشروعات تعليمية بينما لا تبني مسارًا واضحًا للتدريب والتوظيف، ولا تقيس أثر المناهج على قدرة الخريج على دخول سوق محلي ودولي يتغير بسرعة.

 

الذكاء الاصطناعي يفضح التعليم النظري ويبدل خريطة الوظائف

 

ثم يدخل الذكاء الاصطناعي كعامل ضغط جديد على أزمة قديمة، لأن تقنيات الأتمتة لا تنتظر إصلاح المناهج المصرية، بل تعيد تعريف الوظائف في الهندسة والطب والتعليم والمال والصناعة، وتدفع السوق نحو مهارات تحليل البيانات وتصميم المحتوى الرقمي وهندسة الأوامر وتطوير النماذج الذكية.

 

وعلى هذا الأساس، لا يكفي أن تتحدث الحكومة عن التحول الرقمي إذا بقيت الجامعات عاجزة عن إنتاج متخصصين في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والبرمجة والتفكير النقدي، لأن السوق لا يكافئ الشعارات بل يكافئ المهارة، والخريج الذي حفظ المقرر سيخسر أمام من يتقن الأداة.

 

كذلك، تظهر خطورة التحول عندما تشير تقديرات دولية إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يضع نحو 1.2 مليون وظيفة في المنطقة العربية تحت خطر الأتمتة الكاملة، بينما يمكن أن يعزز وظائف أخرى بشرط امتلاك العمال مهارات رقمية، وهنا يقع الخريج المصري بين فرصة ضائعة وتهديد قادم.

 

وفي هذا السياق، يخدم د. نادر فرجاني هذا المحور لأنه ربط تطوير التعليم والبحث العلمي بإطلاق حرية الرأي والتفكير والإبداع، وهذه الرؤية تفضح تعليمًا يحاصر الطالب في التلقين، ثم يطلب منه المنافسة في سوق يقوده الابتكار والمعرفة الرقمية والقدرة على حل المشكلات.

 

من ثم، لا تبدو أزمة الذكاء الاصطناعي تقنية فقط، بل تبدو سياسية وتعليمية أيضًا، لأن الدولة التي تضعف الجامعة وتفرغها من البحث الحر والحوار الجاد لا تستطيع فجأة إنتاج خريج قادر على التعامل مع أدوات معقدة تتطلب عقلًا ناقدًا لا طالبًا مدربًا على الصمت.

 

غياب الشراكة والتتبع يحول الخريج إلى رقم في البطالة

 

في المرحلة التالية، يبرز ضعف الشراكة مع القطاع الخاص كحلقة مركزية في الأزمة، لأن طلب الإحاطة أشار إلى محدودية التدريب العملي ونقص الكوادر المتخصصة وغياب آليات تتبع الخريجين، وهذه النقاط تعني أن الجامعة لا تعرف أين يذهب طلابها ولا كيف يقيم السوق مهاراتهم.

 

إضافة إلى ذلك، لا توجد منظومة فعالة تربط المناهج ببيانات التوظيف والأجور والمهارات المطلوبة، ولذلك تستمر كليات في تخريج أعداد ضخمة لمهن تتراجع، بينما تظهر وظائف جديدة لا تجد برامج جامعية كافية، فيتحول الخريج إلى ضحية مباشرة بين دولة لا تخطط وسوق لا ينتظر.

 

ومن هذه الزاوية، تخدم د. ماجدة قنديل هذا المحور باعتبارها اقتصادية مستقلة انتقدت مرارًا ضعف بيئة الأعمال والاستثمار والإصلاحات غير الكافية، لأن فرص العمل لا تأتي من الجامعة وحدها، بل تحتاج اقتصادًا منتجًا يستوعب المهارات ويوفر وظائف لائقة لا أعمالًا مؤقتة وهشة.

 

بالتوازي، يمثل غياب آليات تتبع الخريجين اعترافًا بفشل الإدارة التعليمية، لأن الدولة التي لا تقيس مصير طلابها بعد التخرج لا تستطيع إصلاح مناهجها بجدية، ولا تستطيع معرفة الكليات التي تنتج بطالة أو التخصصات التي تحتاج تحديثًا أو البرامج التي يجب إغلاقها أو إعادة بنائها.

 

لذلك، تبدو مطالبة هايدي المغازي بإحالة طلب الإحاطة إلى اللجنة المختصة ومناقشته بحضور الجهات المعنية خطوة تكشف الأزمة لكنها لا تكفي، لأن الحكومة تحتاج قرارات ملزمة لتغيير المناهج والتدريب وربط التمويل بنتائج التوظيف، لا جلسات تنتهي بوعود عامة عن التطوير والتحول الرقمي.

 

ختامًا، تكشف بطالة خريجي الجامعات أن حكومة السيسي أدارت التعليم كواجهة لا كاستثمار في البشر، فخرج آلاف الشباب بشهادات لا تحميهم من الفقر ولا من بطالة الذكاء الاصطناعي، وحين يصل الخريج إلى السوق بلا مهارة رقمية ولا تدريب ولا فرصة، فإن الدولة لا تواجه المستقبل بل تدفع جيلًا كاملًا إلى الهامش.