كشفت واقعة مدرسة إهناسيا الثانوية بنات في بني سويف عن أزمة أوسع من تعليق مسؤول تعليمي على وجبة طالبة مكونة من رغيفين وكيس فول، بعدما تحولت الحادثة إلى غضب واسع وطلب إحاطة برلماني يربط إهانة الفقر بتراجع مخصصات التغذية المدرسية في مصر.

 

وتأتي الواقعة بينما تقول البيانات المتداولة إن مخصصات التغذية المدرسية انخفضت إلى نحو 6.1 مليار جنيه في العام المالي 2025/2024 مقابل 6.6 مليار جنيه في العام السابق، بما يخفض متوسط نصيب الطالب إلى 467 جنيه سنويا، وسط غلاء يضغط على ملايين الأسر.

 

وجبة طالبة تتحول إلى إدانة لمنظومة تعليمية فقيرة

 

في البداية لم تكن وجبة الطالبة المكونة من رغيفين وكيس فول مجرد تفصيل داخل حقيبة مدرسية، بل كانت شاهدا يوميا على بيت يحاول تدبير طعام بسيط لابنته في يوم دراسي طويل، ثم جاء التعليق الإداري ليحول الفقر من عبء خاص إلى مشهد إهانة علني.

 

بعد ذلك انتقلت الواقعة من جولة ميدانية داخل مدرسة في إهناسيا إلى مواقع التواصل، ثم إلى طلب إحاطة قدمه النائب أحمد البرلسي، الذي اعتبر ما حدث إهانة لطالبة وأسرتها، وربط الحادثة بضعف منظومة التغذية المدرسية لا بسلوك فردي داخل مدرسة واحدة.

 

وبحسب ما نشرته تقارير صحفية، اتخذت الإدارة التعليمية إجراءات بحق عدد من العاملين بعد الواقعة، لكن هذه الإجراءات لا تكفي لتغطية السؤال الأصلي، لأن الطالبة لم تكن تحتاج تحقيقا إداريا بعد نشر صورتها، بل كانت تحتاج وجبة مدرسية كريمة تمنع تحويل طعامها إلى موضوع للسخرية.

 

وهنا يخدم رأي عبد الحفيظ طايل، مدير المركز المصري للحق في التعليم، هذا المحور بوضوح، لأنه اعتبر التغذية المدرسية جزءا من الحق في التعليم، وربطها بقدرة الطالب على التركيز والنمو، ما يجعل ضعفها انتهاكا تعليميا لا خللا غذائيا هامشيا.

 

لذلك تبدو واقعة بني سويف دليلا على أن الفقر دخل المدرسة من باب الطعام، وأن الإدارة تعاملت مع النتيجة لا السبب، فالمشكلة ليست في رغيفين وكيس فول، بل في دولة تترك الطالب بين غلاء البيت ومحدودية الدعم ثم تندهش من وجبته البسيطة.

 

مخصصات تتراجع ونصيب الطالب لا يكفي عاما دراسيا

 

على مستوى الأرقام، تشير بيانات متداولة عن الموازنة إلى انخفاض مخصصات التغذية المدرسية من 6.6 مليار جنيه في العام المالي 2024/2023 إلى 6.1 مليار جنيه في العام المالي 2025/2024، وهو تراجع واضح في ملف يمس ملايين الطلاب داخل المدارس الحكومية.

 

وبناء على هذه الأرقام، ينخفض متوسط نصيب الطالب المستفيد إلى نحو 467 جنيه سنويا مقابل نحو 494 جنيه في العام السابق، وهو مبلغ محدود لا ينسجم مع ارتفاع أسعار الغذاء، ولا يضمن وجبات كافية طوال عام دراسي يستمر شهورا طويلة داخل بيئة تعليمية مكتظة.

 

ثم تتسع الفجوة عندما تعلن وزارة التربية والتعليم أن عدد المستفيدين من التغذية المدرسية يتجاوز 13 مليون طالب وطالبة في مراحل رياض الأطفال والابتدائي والإعدادي والثانوي، لأن توزيع مخصصات محدودة على هذا العدد الكبير يحول البرنامج إلى دعم رمزي لا شبكة حماية غذائية.

 

وفي هذا المحور يخدم كمال مغيث، الخبير التربوي والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، زاوية انهيار العدالة داخل التعليم، إذ انتقد في أكثر من مناسبة اتساع الفجوة بين التعليم الحكومي الفقير والتعليم الخاص، وربط تدهور المدرسة بغياب إرادة سياسية حقيقية للإصلاح.

 

لذلك يصبح برنامج التغذية المدرسية مرآة للسياسة التعليمية نفسها، فالدولة توسع أعداد المستفيدين في التصريحات، لكنها تخفض القيمة الفعلية عندما تتراجع المخصصات وترتفع الأسعار، ثم تقدم وجبات موحدة منخفضة التكلفة لا تواجه احتياجات الطلاب في المناطق الأكثر فقرا.

 

كذلك توضح تقديرات منشورة أن متوسط 467 جنيه للطالب لا يغطي إلا عددا محدودا من الوجبات خلال العام، وهو ما يجعل الحديث عن تحسين الحالة الصحية والتغذوية للطلاب أقرب إلى وعد إداري، لأن التمويل لا يسمح بتوفير وجبة يومية كافية ومنتظمة طوال الدراسة.

 

الدعم الغذائي ليس رفاهية والحكومة تدفع الطلاب إلى الجوع

 

في المقابل، يؤكد برنامج الأغذية العالمي أن الوجبات المدرسية تحسن الحضور والتركيز والتعلم، وتدعم صحة الأطفال وتغذيتهم، وتساعد الفتيات على الاستمرار في التعليم، وهذا المعنى يحول التغذية المدرسية من بند صغير في الموازنة إلى شرط أساسي لعدالة التعليم.

 

ومن هذه الزاوية، تقدم منظمة الصحة العالمية أساسا صحيا واضحا للنقاش، إذ تؤكد أن المدارس تقف في موقع رئيسي لمواجهة سوء التغذية، وأن الغذاء الصحي داخل المدرسة يساعد على حماية الأطفال والمراهقين من أعباء نقص التغذية والسمنة معا داخل سنوات التكوين.

 

وبهذا المعنى لا يمكن للحكومة أن تقدم وجبة مدرسية فقيرة ثم تطالب الطالب بالانضباط والتركيز والتحصيل، لأن الطفل الذي يدخل الفصل جائعا لا يتلقى التعليم بالطريقة نفسها، والبيت الذي يواجه الغلاء لا يستطيع وحده سد كل فجوات الدولة داخل المدرسة.

 

كما أن المناطق الأكثر احتياجا في الصعيد تتحمل العبء الأكبر، لأن بعض الأسر تعتمد على الوجبة المدرسية كجزء من غذاء الطفل اليومي، ولذلك فإن تراجع التمويل لا يظهر فقط في دفاتر الموازنة، بل يظهر في حقيبة طالبة تحمل رغيفين وكيس فول.

 

ثم تكشف الواقعة أن الدولة تختار العقاب الإداري السريع بدلا من مراجعة السياسة العامة، فالتعليم يحتاج تمويلا واضحا للوجبات وسلامة التوريد وتنويع الغذاء ورقابة معلنة، لا بيانات علاقات عامة كلما انفجرت صورة أو تعليق أو مشهد مهين داخل مدرسة حكومية.

 

وفي الخاتمة، لا تختصر بني سويف أزمة التغذية المدرسية في طالبة واحدة، لكنها تكشف وجها فاضحا لسياسة تنفق القليل على طعام الطلاب ثم تترك المدرسة تتعامل مع آثار الفقر، فإذا كانت الحكومة لا تستطيع حماية كرامة طالبة بسبب وجبة بسيطة، فكيف تدعي حماية مستقبل التعليم.

 

لذلك يجب أن يتحول طلب الإحاطة إلى مساءلة كاملة عن مخصصات التغذية المدرسية وجودة الوجبات وعدد أيام التغطية ونصيب الطالب الحقيقي بعد التضخم، لأن رغيفين وكيس فول ليسا فضيحة أسرة فقيرة، بل فضيحة منظومة تعليمية تريد طالبا جائعا ومطيعا في الوقت نفسه.