كشفت واقعة انحراف العربة الأخيرة من قطار روسي جديد في محافظة أسوان، مساء اليوم، عقب خروجه من محطة أسوان في اتجاهه المعتاد، عن خلل جديد في منظومة السكة الحديد، بعدما جرى إخلاء العربة المتضررة وتأمين باقي القطار دون تسجيل إصابات أو خسائر بشرية.
وتعيد الواقعة سؤال إهدار مليارات تطوير السكة الحديد إلى الواجهة، لأن الحكومة أعلنت تخصيص 225 مليار جنيه لتطوير المنظومة، بينها 100 مليار جنيه لمشروعات الصعيد، بينما يستيقظ الركاب على انحراف عربة في أسوان وتحقيق عاجل وبيانات طمأنة لا تشرح أين ذهبت كفاءة الصيانة والرقابة.
انحراف عربة أسوان يختبر جدوى 225 مليار جنيه
بدأ الحادث بانحراف العربة الأخيرة من قطار روسي جديد عقب مغادرته محطة أسوان، ثم تدخلت الجهات المختصة بهيئة السكة الحديد للتعامل مع الموقف، وجرى إخلاء العربة المتضررة وتأمين باقي القطار وسط إجراءات احترازية هدفت إلى ضمان سلامة الركاب واستمرار الحركة بأقل قدر من التعطيل.
بعد ذلك أكدت المصادر الأولية عدم وقوع إصابات أو خسائر في الأرواح، لكن غياب الضحايا لا يجعل الواقعة بسيطة، لأن خروج عربة ركاب من مسارها بعد مغادرة محطة رئيسية يفرض مراجعة فنية لحالة العربة والقضبان والوصلات وأنظمة الفرامل وإجراءات الفحص قبل التشغيل.
ثم أعلنت الهيئة العمل على إعادة انتظام حركة القطارات تدريجيا بعد انتهاء أعمال الفحص والتأمين، وهذا يعني أن الحادث لم يكن تفصيلا عابرا في رحلة فردية، بل أثّر على التشغيل وفرض إجراءات طوارئ وتحقيقا عاجلا كان يجب أن يمنع الخلل قبل وقوعه.
ومن هنا تظهر المفارقة المالية، فقد أعلنت وزارة النقل سابقا تخصيص 225 مليار جنيه لتطوير السكة الحديد، وشملت الخطة الوحدات المتحركة والبنية الأساسية ونظم الإشارات والورش وتنمية العنصر البشري، ومع ذلك خرجت عربة قطار روسي جديد عن مسارها في الصعيد.
في هذا المحور يخدم رأي الدكتور عماد نبيل، خبير النقل، سؤال جدوى الإنفاق، إذ أرجع تكرار حوادث القطارات إلى تهالك قطاع السكة الحديد والعربات والقضبان، وهو رأي يفسر لماذا لا تكفي صفقات القطارات الجديدة إذا بقيت بيئة التشغيل عاجزة عن منع الانحراف.
لذلك لا يمكن للحكومة أن ترد على حادث أسوان بجملة عن عدم وجود إصابات فقط، لأن السؤال الأهم يتعلق بكفاءة ما أُنفق على التطوير، وبالنتيجة العملية التي يراها الراكب على القضبان، لا بالبنود المالية التي ترد في البيانات الرسمية والافتتاحات.
الصيانة والورش تحت المساءلة بعد خروج العربة من مسارها
تضع واقعة أسوان محور الصيانة في قلب المسؤولية، لأن القطار خرج من محطة رئيسية قبل أن تنحرف العربة الأخيرة، وهذا التوقيت يجعل الفحص السابق للرحلة وفحص العجلات والوصلات والفرامل وحالة القضبان القريبة من المحطة عناصر لا يجوز إخفاؤها خلف بيان عام.
وبحسب ما أعلنته وزارة النقل في خطط التطوير، خُصصت مبالغ ضخمة للوحدات المتحركة والبنية الأساسية ونظم الإشارات والورش الإنتاجية، كما تحدثت الوزارة عن تطوير ورش السكة الحديد بالكامل بالشراكة مع شركات أجنبية، بما يجعل أي خلل تشغيلي اختبارا مباشرا لهذه الوعود.
كذلك يفرض انحراف العربة الأخيرة سؤالا فنيا عن تسلسل المسؤولية، لأن أي حادث من هذا النوع قد يرتبط بالعربة نفسها أو بحالة السكة أو بسرعة التشغيل أو إجراءات الربط أو أعمال الصيانة السابقة، ولا يجوز اختزال التحقيق في عبارة مطاطة عن ملابسات الحادث.
في هذا الموضع يخدم رأي عازر فرج عازر، الخبير في السكك الحديدية، محور الصيانة والرقابة الفنية، إذ سبق أن تحدث عن تراكم أمراض المنظومة ومعرفته الدقيقة بأسرار الهيئة بعد سنوات طويلة في المجال، وهو ما يربط الخلل الحالي بمشكلات إدارة وصيانة وليست مصادفة.
وعلى هذا الأساس يصبح إعلان التحقيق العاجل خطوة ناقصة إذا لم يحدد السبب الفني بوضوح، لأن الراكب لا يحتاج معرفة أن لجنة تشكلت فقط، بل يحتاج أن يعرف هل فشلت الصيانة أم فشلت الرقابة أم فشل المسار أم فشل نظام التشغيل.
ثم تأتي خطورة الحادث من كونه وقع في قطار روسي جديد، لأن الحكومة قدمت هذه النوعية من القطارات بوصفها جزءا من تحديث الخدمة، فإذا وقع الانحراف داخل هذا النوع من القطارات تصبح المشكلة أعمق من استبدال عربات قديمة بأخرى أحدث.
بيانات الطمأنة لا تعوض الشفافية في نتائج التحقيق
أعلنت الجهات المعنية أن سلامة الركاب تأتي في مقدمة الأولويات، وشددت على استمرار العمل لتطوير منظومة السكك الحديدية ورفع كفاءتها الفنية والتشغيلية، لكن تكرار هذه العبارات بعد كل حادث يضعها في مواجهة اختبار بسيط هو إعلان نتائج التحقيقات ومحاسبة المسؤولين.
وبالتزامن مع حادث أسوان، أوردت المادة المتاحة واقعة منفصلة تتعلق بعائق مفاجئ على القضبان بسبب سقوط نخلة نتيجة سوء الأحوال الجوية، وقد جرى التعامل مع الخطر بفضل يقظة طاقم القيادة، وهو ما يكشف أن تأمين حرم السكة جزء أساسي من منظومة السلامة.
هنا يجب ربط الواقعتين من زاوية واحدة فقط، وهي أن سلامة السكة الحديد لا تتعلق بالعربة وحدها، بل بحرم الخط والمسار والمراقبة والصيانة والتدخل السريع، لأن أي عائق على القضبان أو خلل في العربة قد يتحول إلى كارثة إذا غابت المنظومة الوقائية.
في هذا السياق يخدم رأي أستاذ النقل والطرق عبد الله أبو خضرة محور السلامة الشاملة، إذ قال إن تراكم أزمات الصيانة وضعف الإمكانات والكفاءة لدى بعض العاملين يقفان وراء تكرار حوادث القطارات، وهو ما يربط بين العربة والمسار والعنصر البشري.
وبالتالي لا تكفي الإشادة بسرعة التصرف أو تأكيد عدم وقوع إصابات، لأن السلامة لا تقاس بالحظ الجيد ولا بيقظة فردية في لحظة خطر، بل تقاس بقدرة النظام على منع العطل والعائق والانحراف قبل أن يصبح الراكب جزءا من تجربة طوارئ.
في النهاية يؤكد حادث أسوان أن مليارات التطوير لا قيمة لها إذا لم تظهر في صيانة صارمة ورقابة معلنة ونتائج تحقيق منشورة ومحاسبة واضحة، لأن المواطن يدفع ثمن التذاكر ويرى إعلانات التطوير ثم يجد نفسه أمام عربة منحرفة وبيان يكتفي بالطمأنة.
وتضع الواقعة الحكومة أمام سؤال لا يمكن تجاوزه، فكيف تنفق الدولة 225 مليار جنيه على تطوير السكة الحديد ثم يحتاج الركاب إلى انتظار التحقيق بعد كل حادث، وكيف تتحول مشروعات الصعيد التي حصلت وحدها على 100 مليار جنيه إلى وعود لا تمنع انحراف قطار في أسوان.

