أعلنت وزارة الداخلية الخميس مقتل 8 أشخاص وإصابة شخص آخر في منطقة جبلية بمدينة سفاجا بمحافظة البحر الأحمر، بعد مشاجرة مسلحة بين منقبين عن خام الذهب، وانتهت الواقعة بضبط متهم قالت الوزارة إنه أطلق النار من سلاح آلي وفر بسيارة ربع نقل.

 

وتكشف الواقعة جانبًا قاسيًا من إدارة ملف الثروات المعدنية في مصر، إذ تتحول مناطق الذهب إلى مساحة مفتوحة للفقر والسلاح والمغامرة غير القانونية، بينما تترك الحكومة المواطنين أمام خيارين واضحين، إما البطالة والتهميش، أو الدخول في اقتصاد عشوائي ينتهي بالقتل بدلًا من العمل المنظم.

 

تنقيب عشوائي ينتهي بمجزرة في سفاجا

 

بدأت تفاصيل الحادث بعدما تداول مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات وصورًا عن اشتباكات بين مجموعات من المنقبين عن الذهب في سفاجا، وتحدثت المنشورات عن إطلاق نار وسقوط ضحايا، ثم أعلنت الأجهزة الأمنية أنها فحصت ما جرى لكشف حقيقة الواقعة وتحديد أطرافها.

 

وبعد ذلك، قالت التحريات إن مشاجرة وقعت يوم 30 أبريل داخل منطقة جبلية تابعة لدائرة قسم شرطة سفاجا، بسبب خلافات حول أولوية التنقيب غير المشروع عن خام الذهب، وهو خلاف يكشف أن النشاط العشوائي لم يعد مجرد مخالفة فردية بل صار مجالًا يتنافس عليه مسلحون.

 

ثم تصاعد الخلاف بين الموجودين في المنطقة الجبلية، وأطلق أحد الأشخاص أعيرة نارية من بندقية آلية كانت بحوزته، ما أدى إلى مقتل 8 أشخاص وإصابة آخر، قبل أن يفر المتهم من مكان الحادث مستخدمًا سيارة ربع نقل كانت جزءًا من أدوات الهروب بعد الجريمة.

 

في هذا السياق، يرى الباحث والحقوقي حسام بهجت أن غياب الشفافية والرقابة العامة في الملفات الاقتصادية والأمنية يفتح المجال لتضخم الانتهاكات خارج المساءلة، وتبدو واقعة سفاجا مثالًا مباشرًا على منطقة لا تظهر للدولة إلا بعد سقوط القتلى، لا قبل تشكل الخطر.

 

ثروة عامة تتحول إلى صراع مسلح

 

لاحقًا، أعلنت وزارة الداخلية أن قوات الأمن أعدت عدة كمائن بعد تقنين الإجراءات، وتمكنت من ضبط المتهم الهارب، ووصفت الوزارة المتهم بأنه عنصر جنائي، كما أعلنت ضبط البندقية الآلية والسيارة المستخدمة في الواقعة، ثم أحالت المضبوطات إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية.

 

غير أن هذا التحرك الأمني جاء بعد سقوط 8 قتلى، لذلك لا تكفي صيغة الضبط وحدها لتفسير الكارثة، لأن السؤال الأوسع يتعلق بكيفية وصول سلاح آلي إلى منطقة تنقيب، وكيف تحولت أولوية البحث عن الذهب إلى نزاع دموي داخل مساحة يفترض أن تخضع لإدارة الدولة.

 

ومن ناحية اقتصادية، يربط الصحفي والباحث الاقتصادي وائل جمال بين فشل السياسات العامة واتساع الاقتصاد غير الرسمي، إذ يدفع غياب العدالة في توزيع الفرص قطاعات واسعة إلى أنشطة هامشية عالية المخاطر، وتقدم جبال الذهب في البحر الأحمر نموذجًا واضحًا لهذا الخلل.

 

وعلى الأرض، لا تبدو المشكلة في وجود أفراد يبحثون عن الذهب فقط، بل في وجود فراغ تنظيمي يسمح بظهور شبكات ومجموعات تتعامل مع الخام باعتباره موردًا خارج القانون، بينما تواصل الحكومة الحديث عن الاستثمار والتعدين دون بناء مسارات آمنة للعمالة المحلية.

 

حكومة ترى الذهب ولا ترى البشر

 

في المقابل، تتحدث الحكومة خلال الشهور الأخيرة عن تيسيرات لجذب الاستثمار في قطاع التعدين وعن تطوير منطقة المثلث الذهبي بين قنا وسفاجا والقصير، وهي منطقة تضم موارد معدنية ضخمة، لكن واقعة سفاجا تكشف فجوة بين خطاب الاستثمار الرسمي وواقع السكان حول مناطق الخام.

 

وبسبب هذه الفجوة، تصبح الثروة المعدنية سببًا في تعميق الخطر بدلًا من خلق فرص عمل منظمة، لأن الدولة تفضل إدارة الملف من أعلى عبر الشركات والتراخيص الكبرى، بينما تترك العمالة الهامشية خارج الحماية القانونية والاجتماعية، ثم تتعامل معها كملف أمني بعد وقوع الجريمة.

 

كذلك، ينبه المحامي الحقوقي خالد علي في مواقفه العامة إلى أهمية الرقابة الشعبية والقانونية على إدارة المال العام والثروات العامة، وتبدو هذه الفكرة ضرورية في ملف الذهب، لأن الثروة التي لا تخضع لمساءلة عادلة تتحول إلى باب احتكار أو صراع أو موت.

 

وبالتوازي، تظهر حادثة سفاجا كاختبار مباشر لسياسة الحكومة في البحر الأحمر، فالمكان ليس قرية بعيدة عن خرائط الدولة، بل نطاق مرتبط بمشروعات التعدين والمثلث الذهبي، ومع ذلك وقع النزاع بالسلاح الآلي قبل أن تظهر الدولة كقوة ضبط لا كجهة وقاية وتنظيم.

 

لذلك، تحمل الجريمة دلالة تتجاوز محضر الشرطة، لأن 8 جثامين خرجت من منطقة ذهب في بلد يعلن احتياجه للدولار والاستثمار والتعدين، بينما يعجز عن حماية عمال ومواطنين انجذبوا إلى التنقيب العشوائي بفعل الفقر وغياب البدائل وانسداد فرص العمل المنظم.

 

وفي النهاية، لا تستطيع الحكومة أن تختصر الواقعة في ضبط متهم وسلاح وسيارة، لأن الدم الذي سال في جبال سفاجا يضع ملف التعدين كله أمام سؤال واضح، من يحمي الناس قبل حماية الخام، ومن يحاسب منظومة تركت الذهب يتحول إلى سبب جديد للموت.