كشفت وزارة الصحة والسكان، خلال تدشين عيادات مبادرة صحتك سعادة في مايو 2026، أن نحو 20% من المصريين يعانون من أعراض نفسية متفاوتة، وأن 3.6% لديهم أفكار انتحارية، وهي أرقام وضعت ملف الصحة النفسية أمام أزمة احتياج واسع وضعف واضح في طلب العلاج.

 

وتضع هذه الأرقام الحكومة أمام مسؤولية مباشرة، لأن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية لا تنفصل عن تدهور الصحة النفسية، ولأن المواطن الذي يواجه الغلاء والبطالة والديون الأسرية يحتاج خدمة عامة آمنة وسهلة، لا مجرد إعلان رسمي يطلب منه تجاوز الوصمة وحده.

 

20 % من المصريين يعانون أعراضًا نفسية والوزارة تعترف بحجم الأزمة

 

في بداية التدشين، قالت الدكتورة منى خليفة، مدير عام المبادرات الصحية بوزارة الصحة، إن نحو 20% من المصريين يعانون من أعراض نفسية متفاوتة، كما تصل نسبة من لديهم أفكار انتحارية إلى 3.6%، ووصفت هذه النسبة بأنها مقلقة وتستدعي تدخلًا عاجلًا.

 

وبعد إعلان هذه النسبة، استندت الوزارة إلى تقديرات منظمة الصحة العالمية التي تضع معدلات الاضطرابات النفسية في مصر بين 15% و35%، وهي مساحة واسعة تكشف أن الأزمة لا تخص فئة محدودة، بل تشمل أعمارًا مختلفة بينها كبار السن وشريحة واسعة في سن العمل.

 

ولأن شريحة سن العمل تتحمل ضغط الأسعار وساعات العمل وتراجع الدخل، يصبح إعلان الوزارة مرتبطًا بواقع اقتصادي لا تستطيع الحكومة تجاهله، فالأعراض النفسية لا تظهر في فراغ، بل ترتبط بقدرة الناس على دفع الإيجار وشراء الدواء وتأمين احتياجات الأسرة.

 

وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ الطب النفسي الدكتور أحمد عكاشة في مواقفه العامة أن المرض النفسي أصبح من أكبر تحديات الصحة العامة، وأن الوصمة القديمة حول المريض النفسي أخرت العلاج وزادت عزلة المصابين، وهو ما يجعل الاعتراف بالأزمة خطوة لا تكفي وحدها.

 

وبناء على ذلك، لا يكفي أن تعرض الوزارة الأرقام باعتبارها مؤشرات علمية، لأن الأرقام تكشف أيضًا خللًا في الوصول إلى الخدمة، فكل نسبة معلنة تعني آلاف الحالات التي تحتاج فحصًا مبكرًا ورعاية مستمرة وأدوية متاحة داخل منظومة لا ترهق الأسرة ماليًا.

 

الوصمة وضعف الإقبال يتركان المرضى خارج العيادات

 

ثم عرضت وزارة الصحة تحديًا آخر يتمثل في ضعف الإقبال على طلب المساعدة النفسية، رغم وجود حاجة فعلية لدى كثيرين، وهو تحد يفضح فجوة بين حجم المعاناة داخل البيوت وبين عدد الذين يصلون فعلًا إلى طبيب أو أخصائي نفسي.

 

وخلال استبيان داخل أحد المنتديات، شارك نحو 200 شخص من طلاب وأساتذة الجامعات، وظهر أن عددًا كبيرًا منهم لجأ إلى أطباء في تخصصات مختلفة خلال فترة قصيرة، بينما لم يذهب إلى طبيب نفسي سوى 3 أشخاص فقط.

 

وبحسب ما عرضته الدكتورة منى خليفة، تشير التقديرات إلى أن نحو 20% من المشاركين في هذا الاستبيان كانوا بحاجة إلى تدخل نفسي متخصص، ولذلك تكشف النتيجة أن المشكلة لا تقف عند نقص الخدمة، بل تشمل الخوف الاجتماعي من إعلان الحاجة للعلاج.

 

كما اعتبرت الوزارة أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بزيارة الطبيب النفسي تمثل أحد أبرز أسباب تراجع طلب العلاج، لأن كثيرين يتجاهلون الأعراض أو يبحثون عن بدائل غير طبية، بينما تتفاقم الحالة قبل أن يصل صاحبها إلى تدخل متخصص في الوقت المناسب.

 

وفي هذا الملف، يرى أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر الدكتور محمد المهدي أن وصمة الطب النفسي في المجتمع المصري تدفع أسرًا إلى إنكار المشكلة أو تأجيل العلاج، ولذلك يصبح كسر الوصمة شرطًا أساسيًا قبل الحديث عن التوسع في العيادات.

 

لهذا السبب، لا تستطيع الحكومة تحميل المجتمع وحده مسؤولية الوصمة، لأن السياسة العامة نفسها شاركت طويلًا في إهمال الصحة النفسية داخل الرعاية الأولية والمدارس والجامعات ومواقع العمل، ثم جاءت الأرقام لتكشف أن الصمت الاجتماعي كان نتيجة غياب خدمة موثوقة.

 

مبادرة صحتك سعادة تحتاج خدمة لا دعاية

 

في المقابل، قال وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبدالغفار إن مصر ليست بعيدة عن المعدلات العالمية، وأوضح أن الاضطرابات النفسية تمس أكثر من مليار شخص حول العالم، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إصابة كل الحالات بأمراض عقلية.

 

ومع هذا التوضيح، شدد الوزير على ضرورة التعامل مع الأرقام في سياقها العلمي الصحيح بعيدًا عن التهويل أو الوصم الاجتماعي، غير أن هذا الخطاب لا يعفي الوزارة من واجب توسيع الخدمة العامة، لأن ضبط المصطلحات لا يحل أزمة الوصول إلى العلاج.

 

بعد ذلك، أكدت وزارة الصحة أن التعامل مع الملف يتطلب التوسع في الكشف المبكر ورفع الوعي المجتمعي وتوفير منافذ آمنة وسهلة للحصول على الدعم النفسي، ضمن توجه لإدماج الصحة النفسية في منظومة الرعاية الصحية العامة.

 

غير أن نجاح هذه المقاربة يتوقف على عدد العيادات وتوزيعها وأسعار الخدمة وتوافر الأطباء والأخصائيين، لأن المواطن الذي يخاف الوصمة لن يذهب إلى خدمة بعيدة أو مزدحمة أو مكلفة، خصوصًا إذا كان دخله لا يغطي احتياجاته الأساسية.

 

ومن زاوية اجتماعية، ترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس الدكتورة سامية قدري أن المجتمع يتأثر بقوة بمؤسساته وقيمه وشبكات الدعم داخله، ولذلك يحتاج ملف الصحة النفسية إلى تدخل في التعليم والإعلام والأسرة والعمل، لا إلى عيادات منفصلة عن سياق الناس.

 

وعلى مستوى الفئات الأكثر هشاشة، يحتاج كبار السن والشباب في سن العمل إلى مسارات مختلفة داخل الخدمة، لأن كبار السن يواجهون العزلة والمرض المزمن، بينما يواجه الشباب ضغط البطالة والدخل والعمل غير المستقر، ولا تصلح حملة واحدة لكل هذه الاحتياجات.

 

كذلك تحتاج الجامعات ومواقع العمل إلى وحدات دعم نفسي واضحة وسرية، لأن الاستبيان الذي شارك فيه طلاب وأساتذة كشف أن المتعلمين أنفسهم يترددون في زيارة الطبيب النفسي، وهذا يعني أن الوصمة لا ترتبط فقط بنقص المعرفة أو ضعف التعليم.

 

وفي النهاية، تكشف أرقام وزارة الصحة أن الصحة النفسية في مصر لم تعد ملفًا هامشيًا، فوجود أعراض لدى نحو 20% من المصريين وأفكار انتحارية لدى 3.6% يفرض خطة عامة ممولة ومحاسبة، لا حملة موسمية تترك المواطن بين الغلاء والوصمة والعيادة البعيدة.