وافقت حكومة الانقلاب على مشروع قانون بإصدار قانون الأسرة للمصريين المسلمين، وضم المشروع 355 مادة موضوعية داخل 3 أقسام رئيسية، ثم فتحت الحكومة طريق الإحالة إلى البرلمان مع مشروعات الأسرة للمسيحيين وصندوق دعم الأسرة، بما يجعل الملف القانوني بابا جديدا للرسوم المرتبطة بالزواج والطلاق والنفقة.

 

يربط هذا القرار حياة الأسر المصرية بأعباء مالية جديدة في وقت تضغط فيه الأسعار والديون على البيوت، لأن الحكومة لم تقدم ضمانا واضحا يمنع تحويل صندوق دعم الأسرة إلى جباية إضافية على المقبلين على الزواج والمطلقين وأصحاب الوثائق الرسمية، بينما تواصل السلطة تقديم التشريع بوصفه إصلاحا اجتماعيا من دون كشف كلفة تطبيقه على المواطنين.

 

صندوق دعم الأسرة بين حماية النفقة وتحميل الشباب الفاتورة

 

في البداية، قالت الحكومة إن مشروع قانون الأسرة يأتي تنفيذا لتوجيهات عبد الفتاح السيسي بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة للمسلمين والمسيحيين وصندوق دعم الأسرة إلى البرلمان، وأكد مصطفى مدبولي أن الحكومة ستواصل إحالة هذه المشروعات أسبوعيا بعد مناقشتها في مجلس الوزراء.

 

وبعد هذه الموافقة، برز صندوق دعم الأسرة باعتباره الجزء الأكثر حساسية في الحزمة التشريعية، لأن الصندوق يستهدف صرف النفقة فوريا للمستحقين ثم استرداد الأموال من الممتنعين عن السداد، لكن مصادر تمويله المطروحة تشمل رسوما على عقود الزواج والطلاق وغرامات على المتهربين من النفقة.

 

لذلك، تتحول فكرة الحماية إلى عبء عندما تختار الحكومة تمويل الصندوق من الأسر نفسها، لأن الشاب المقبل على الزواج يدفع رسوما قبل تكوين الأسرة، والمطلق يدفع رسوما عند تفككها، والمواطن يدفع رسوما أخرى مع الوثائق المدنية، بينما لا تعلن الدولة نصيبها الحقيقي من التمويل العام.

 

وفي هذا السياق، قال المستشار أحمد الخطيب، رئيس استئناف سابق بمحكمة استئناف القاهرة، إن الصندوق سيتدخل كجهة وسيطة لصرف النفقة ثم يلاحق الملزم بالسداد، لكنه نبه إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان عدم تحول الصندوق إلى عبء مالي جديد على المواطنين.

 

ثم تكشف مسودة سابقة لمشروع صندوق دعم الأسرة، قدمت إلى البرلمان في 2023، حجم الجبايات المحتملة، إذ تضمنت 100 جنيه عن كل واقعة زواج، و100 جنيه عن كل واقعة طلاق أو مراجعة، و50 جنيها عن كل واقعة ميلاد، و1% من مؤخر الصداق بحد أدنى 100 جنيه.

 

كذلك تضمنت المسودة نفسها 50 جنيها عند استخراج وثيقة قيد عائلي، و50 جنيها عند استخراج بطاقة رقم قومي، وهو توسع يربط موارد الصندوق بوثائق لا تخص النزاع الأسري فقط، بل تشمل معاملات مدنية أساسية يحتاجها المواطن في حياته اليومية.

 

قانون واسع وشفافية محدودة في ملف يمس كل بيت

 

على مستوى البنية القانونية، جمعت الحكومة مسائل الأحوال الشخصية في قانون واحد بعد أن كانت موزعة بين 5 قوانين، ووزعت مواد المشروع على الولاية على النفس والولاية على المال وإجراءات التقاضي أمام محاكم الأسرة، وقدمت هذا الدمج باعتباره تسهيلا للوصول إلى القواعد القانونية.

 

لكن هذا الدمج لا يلغي مشكلة الشفافية، لأن الحكومة وافقت على مشروع بالغ الاتساع بينما ظل مشروع صندوق دعم الأسرة قيد التنسيق مع جهات الدولة، ولم تنشر السلطة جدولا نهائيا معلنا للرسوم المقترحة، رغم أن التمويل يمثل جوهر الجدل الاجتماعي حول القانون.

 

وفي المقابل، قال وزير العدل محمود الشريف إن المشروع استحدث ملحقا لعقد الزواج يتضمن الاتفاق على مسكن الزوجية والمسائل المالية، وجعل هذا الملحق في قوة السند التنفيذي، كما نظم وثيقة التأمين التي يقدمها الشخص المقبل على الزواج.

 

وبسبب هذه الإضافات، يفتح القانون بابا ماليا وإجرائيا جديدا قبل عقد الزواج نفسه، لأن المقبلين على الزواج سيواجهون ملحقات واتفاقات ووثائق تأمين وصندوقا تمويليا، بينما لا تقدم الحكومة إجابة منشورة تحدد هل ستتحمل الخزانة العامة العبء الأكبر أم ستتركه للمواطنين.

 

في المقابل الحقوقي، حذر بيان مشترك وقعت عليه المحامية منى ذو الفقار والمحامية انتصار السعيد ومؤسسات نسوية وحقوقية من إعداد قوانين الأحوال الشخصية داخل دهاليز الوزارات، ودعا البيان إلى إتاحة كل المشروعات لحوار مجتمعي جاد قبل تمرير التشريع.

 

كما طالب البيان نفسه بتخصيص جزء من الموازنة العامة لصندوق حماية الأسرة، وعدم إلقاء العبء على الشباب المقبل على الزواج، واعتبر أن الدولة مسؤولة عن دعم الأسر المعسرة وحماية الأطفال، لا عن تحويل النزاعات الأسرية إلى مصدر تحصيل مالي من المواطنين.

 

الإجراءات الجديدة لا تكفي إذا بقيت الحكومة تجمع ولا تنفذ

 

في جانب الإجراءات، قال وزير العدل إن المشروع ألزم المدعي في دعاوى النفقات والأجور بتضمين جميع الطلبات في صحيفة دعوى واحدة، وقرر استمرار إعفاء دعاوى النفقات وما في حكمها من الأجور والمصروفات والرسوم القضائية في كل مراحل التقاضي.

 

بعد ذلك، نص المشروع على إنشاء إدارة لتنفيذ الأحكام في مقر كل محكمة ابتدائية، واستحدث الإعلانات القضائية الإلكترونية والطلبات الإلكترونية في مسائل الولاية على المال، كما أوجب الربط التقني بين محاكم الأسرة والنيابات وصندوق دعم الأسرة والجهات ذات الصلة.

 

غير أن المشكلة التنفيذية تبقى قائمة إذا اكتفت الحكومة بتغيير الشكل الإجرائي ووسعت التحصيل المالي، لأن ملايين الأسر تحتاج إلى سرعة نفقة وعدالة حضانة وحماية أطفال، ولا تحتاج إلى قانون يضيف رسوما ثم يترك المحاكم والبنوك والجهات التنفيذية تعمل بالبطء نفسه.

 

وفي هذا المعنى، قال الدكتور أحمد حماد، مساعد رئيس حزب الوفد، إن الأزمة في مصر تكمن في تطبيق القانون لا في النص وحده، وأكد أن الزوجة والأطفال يواجهون رحلة طويلة داخل المحاكم قد تمتد سنوات في قضايا النفقة والطلاق للضرر.

 

ثم أوضح حماد أن حكم النفقة يجب أن يصدر خلال 15 يوما بحد أقصى، وأن تأجيل الجلسات يجب أن يكون لأيام لا لشهور، لأن الأسرة لا تستفيد من نصوص جميلة إذا ظلت النفقة معلقة والمحكمة مؤجلة والتنفيذ مؤجلا.

 

وفي النهاية، يكشف مشروع قانون الأسرة أن الحكومة تمسك ملفا شديد الحساسية بمنطق إداري ومالي أكثر منه بمنطق حماية اجتماعية، فهي تتحدث عن استقرار الأسرة والطفل، لكنها تضع صندوقا ورسوم زواج وطلاق ووثائق وتأمينا داخل المسار نفسه، وتترك المواطن يسأل عن الكلفة قبل أن يسأل عن العدالة.