تكشف مغادرة أول دفعة من مسافري غزة عبر تنسيقات شركة هلا أن معبر رفح لم يعد بوابة إنسانية واضحة، بل صار مسارا مشروطا بالدفع والانتظار والوساطة.

 

تضع الواقعة الحكومة المصرية أمام سؤال مباشر عن تسليم حق العبور لشركة يملكها إبراهيم العرجاني، بينما يبقى المرضى والجرحى تحت رحمة قوائم محدودة وتنسيقات طويلة.

 

أول دفعة من هلا تعيد ملف العبور المدفوع

 

في البداية، غادرت يوم الثلاثاء أول دفعة من المسافرين من قطاع غزة إلى مصر ضمن تنسيقات شركة هلا للاستشارات والخدمات السياحية المصرية، وذلك لأول مرة منذ إغلاق معبر رفح البري في مايو 2024، وفق ما أكده أحد المسافرين للمنصة.

 

وبحسب المسافر، الذي طلب عدم نشر اسمه، ضمت الدفعة الأولى 18 شخصا من عائلات سجلت للسفر عبر الشركة المملوكة لرجل الأعمال إبراهيم العرجاني منذ بداية العام قبل الماضي، بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر 2023.

 

ثم أوضح المسافر أنه سجل في تنسيقات الشركة في فبراير 2024، وسدد عبر وكيل له في القاهرة 5000 دولار عن كل فرد بالغ، و2500 دولار عن كل طفل، قبل أن يتلقى اتصالا قبل يومين لإبلاغه بموعد السفر.

 

بعد ذلك، طلبت الجهة المنظمة من المسافر التوجه مع زوجته وأبنائه إلى محيط مجمع ناصر الطبي في خان يونس صباح الاثنين، حيث تجمع المسافرون واستقلوا حافلة نقلتهم نحو المعبر برفقة مركبات تحمل شعارات الأمم المتحدة.

 

ومن هناك، مرت الحافلة عبر حاجز عسكري إسرائيلي في رفح قبل أن ينقطع الاتصال بالمسافر، وهي تفاصيل تكشف أن الخروج لا يجري عبر إجراء مصري مباشر فقط، بل عبر مسار متعدد الأطراف تتحكم فيه إسرائيل ميدانيا عند الجانب الفلسطيني.

 

في السياق نفسه، قال مسافر آخر مسجل لدى الشركة للمنصة إن وكيله في القاهرة أبلغه بإمكانية مغادرته مع أسرته خلال الأيام المقبلة وفق الآلية ذاتها، لكنه رفض نشر اسمه خشية استبعاده من قوائم السفر أو تعرضه للمساءلة أثناء العبور.

 

وعلى هذا الأساس، لا تبدو عودة تنسيقات هلا مجرد واقعة سفر محدودة، لأن الرقم الصغير للدفعة الأولى يخفي خلفه قوائم انتظار طويلة لعائلات دفعت مبالغ كبيرة قبل شهور، ثم بقيت معلقة بين الحرب والإغلاق والوساطة.

 

شركة هلا والعرجاني بين الرسوم والاحتكار

 

في المقابل، أصبحت هلا جزءا من منظومة موازية لتنظيم السفر في ظل القيود على معبر رفح وتكرار إغلاقه وفتحه جزئيا خلال السنوات الأخيرة، وارتبط اسمها بالوساطة بين المسافرين وجهات تنظيم العبور مقابل رسوم مالية متغيرة.

 

وبالتوازي، نشرت صحيفة ذا تايمز البريطانية في أبريل 2024 أن شركة هلا ربما حققت 88 مليون دولار في غضون أسابيع، بعد فرض رسوم على الفلسطينيين للخروج من غزة إلى مصر، من خلال سفر أكثر من 20000 شخص منذ مارس 2024.

 

كما نقلت تقارير دولية أن الشركة كانت تتقاضى 5000 دولار عن كل بالغ و2500 دولار عن كل طفل، بينما وصف فلسطينيون هذه المدفوعات بأنها الطريق العملي للخروج في وقت كانت فيه الحرب والإغلاق يضيقان فرص النجاة.

 

إضافة إلى ذلك، ذكرت فايننشال تايمز أن شركات العرجاني، ومنها هلا، طورت سيطرة شبه احتكارية على تسهيل حركة الأشخاص والبضائع بين مصر وغزة، مستفيدة من صلات قوية بشبكات أمنية وعسكرية في سيناء.

 

وفي هذا الإطار، قال الحقوقي المصري حسام بهجت في مقابلة مع ديمقراطية الآن إن سياسات مصر تجاه معبر رفح أثارت انتقادات واسعة، لأن إسرائيل سيطرت على الجانب الفلسطيني من المعبر بينما بقيت القاهرة جزءا من ترتيبات العبور المقيدة.

 

لذلك، تكشف عودة سفر المسجلين لدى هلا أن الحكومة المصرية لم تقدم حتى الآن آلية شفافة تعلن أسماء المسافرين ومعايير الاختيار والرسوم والجهات المستفيدة، رغم أن العبور يتعلق بأسر نازحة ومرضى ومواطنين محاصرين لا بزبائن سياحة.

 

ومن ثم، تتحول الرسوم إلى قضية سياسية وأخلاقية، لأن الفلسطيني الذي دفع 5000 دولار عن الفرد البالغ لا يشتري خدمة رفاهية، بل يحاول شراء فرصة خروج من حرب، بينما تسمح القاهرة لشركة خاصة بالتمركز داخل حق إنساني أساسي.

 

المرضى ومعبر رفح بين التنسيق المحدود والانتظار القاتل

 

بالتزامن مع دفعة هلا، غادرت دفعة من المرضى ومرافقيهم قطاع غزة عبر معبر رفح يوم الثلاثاء، بعد تجمعهم في مستشفى التأهيل الطبي التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في خان يونس، ونقلتهم سيارات إسعاف بتنسيق من منظمة الصحة العالمية.

 

وبحسب المتحدث باسم الهلال الأحمر في غزة رائد النمس، ضمت الدفعة 47 مسافرا بينهم 24 مريضا و23 مرافقا، لكنه أشار إلى تراجع أعداد المرضى المسافرين بعد أن كانت قد ارتفعت إلى نحو 150 حالة يوميا خلال الأيام الماضية.

 

وفي السياق نفسه، أكدت وكالة وفا الفلسطينية خروج 47 فلسطينيا للعلاج عبر معبر رفح، بينهم مرضى ومرافقون، ضمن عمليات إجلاء طبي جرى تنسيقها مع منظمة الصحة العالمية، وهو ما يطابق أرقام الدفعة التي أعلنها الهلال الأحمر.

 

غير أن الأرقام المحدودة لا تغطي حجم الأزمة، لأن منظمة الصحة العالمية قالت في فبراير 2026 إن أول عملية إجلاء بعد إعادة فتح رفح شملت 5 مرضى و7 مرافقين فقط، بينما كان أكثر من 18500 شخص ينتظرون الإجلاء بسبب إصابات الحرب وأمراض مزمنة.

 

وقبل ذلك، قالت منظمة الصحة العالمية في يونيو 2024 إن إغلاق معبر رفح بعد العملية الإسرائيلية في مايو منع إجلاء ما لا يقل عن 2000 مريض، وإن 10000 شخص كانوا بحاجة إلى الخروج للعلاج بسبب إصابات الحرب والأمراض المزمنة.

 

وفي هذا السياق، قال كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لهيومن رايتس ووتش، إن إعادة فتح رفح بصورة محدودة أفضت إلى مكاسب هزيلة، ولفت إلى أن إسرائيل سمحت في يوم الافتتاح بخروج 5 مرضى و7 أقارب فقط.

 

على مستوى آخر، يظل معبر رفح مغلقا منذ مايو 2024 بعد سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني بالتزامن مع عملياته في مدينة رفح، ثم أعيد فتحه جزئيا في فبراير لعبور المرضى والجرحى وفق ترتيبات وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025.

 

ومن جهة الحقوق الطبية، يوضح الطبيب الكندي طارق لوباني، وهو طبيب طوارئ عمل مع فرق طبية في غزة، أن تأخير خروج المرضى يحول الإصابات القابلة للعلاج إلى وفيات أو إعاقات دائمة، لأن المستشفيات داخل القطاع فقدت القدرة على العلاج المتخصص.

 

وبناء على ذلك، لا يمكن فصل قوائم هلا عن قوائم المرضى، لأن الطريق نفسه يخضع للقيود نفسها، ولأن العائلات التي تدفع للخروج والمرضى الذين ينتظرون الإجلاء يقفون أمام منظومة عبور لا تعلن قواعدها ولا تحاسب الوسطاء حولها.

 

وأخيرا، تكشف مغادرة 18 شخصا عبر تنسيقات هلا وخروج 47 مريضا ومرافقا في اليوم نفسه أن معبر رفح أصبح عنوانا لفشل سياسي وأخلاقي، حيث تحضر الوساطة التجارية بقوة، بينما يتراجع الحق الإنساني في عبور آمن وواضح ومنصف.