تطرح الحكومة أذون خزانة دولارية بقيمة 900 مليون دولار لأجل عام، بينما تواجه حتى سبتمبر المقبل استحقاقات خارجية بنحو 50.8 مليار دولار، في مشهد يؤكد اتساع اعتمادها على تدوير الدين.

 

تكشف الأرقام أن الدين الخارجي بلغ 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، وأن الحكومة تستخدم أدوات قصيرة الأجل لتجاوز المواعيد القريبة، بدل بناء موارد دولارية مستقرة من الإنتاج والتصدير.

 

أذون دولارية جديدة لسداد أذون قديمة

 

في عطاء اليوم الاثنين 27 أبريل 2026، أعلن البنك المركزي المصري طرح أذون خزانة مقومة بالدولار بقيمة 900 مليون دولار لأجل عام، على أن تحل هذه الأذون محل إصدار سابق بقيمة 984.9 مليون دولار كان متوسط عائده 4.25%، وفق بيانات نقلتها العربية عن رويترز.

 

وبذلك لا يقدم الطرح الجديد تمويلا إنتاجيا واضحا، لأن الحكومة تستخدم أداة دين قصيرة الأجل لسداد أداة دين مماثلة، وهو ما يحول إدارة الدين إلى عملية تجديد مستمرة تستنزف قدرة الدولة على تقليل أصل الالتزامات الخارجية.

 

كما يأتي الطرح بينما عاد سعر الدولار في مصر إلى الارتفاع، وهو ما يضاعف حساسية أذون الخزانة الدولارية، لأن كل التزام مقوم بالدولار يتحول إلى ضغط مباشر على الخزانة العامة عند تراجع الجنيه أو زيادة تكلفة الاقتراض الخارجي.

 

وفي هذا السياق، قال هاني جنينة رئيس قطاع البحوث في الأهلي فاروس إن ضعف الدولار عالميا ساهم سابقا في زيادة الإقبال على أدوات الدين المصرية، خاصة أذون وسندات الخزانة، وهو ما يوضح هشاشة الاعتماد على مزاج الأموال الساخنة لا على تدفقات إنتاجية ثابتة.

 

لذلك تبدو أذون 900 مليون دولار جزءا من سياسة أوسع تعتمد على جذب سيولة قصيرة العمر، ثم إعادة طرح أدوات جديدة عند الاستحقاق، بينما لا تعلن الحكومة خطة محددة لتقليل الاعتماد على هذه الآلية أو ربطها بزيادة حقيقية في حصيلة الدولار.

 

50.8 مليار دولار حتى سبتمبر وضغط مباشر على البنك المركزي

 

وبعد طرح الأذون، تواجه الحكومة المصرية سداد نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر 2026، وفق جدول استحقاقات الدين الخارجي الصادر عن البنك الدولي، وبين هذه الالتزامات نحو 21 مليار دولار ودائع وعملات لدى البنك المركزي المصري.

 

كما تشمل المدفوعات المستحقة خلال أول 9 أشهر من 2026 سداد نحو 28 مليار دولار في الربع الأول، بينها 13.6 مليار دولار ودائع لدى البنك المركزي، وهي أرقام تكشف اعتمادا خطيرا على التجديد الدوري لا على السداد النهائي.

 

ثم ترتفع الضغوط في الربع الثاني من 2026 مع استحقاقات تبلغ 12.7 مليار دولار، تشمل 3.35 مليار دولار ودائع على البنك المركزي، بما يعني أن الحكومة تدخل منتصف العام وهي محاصرة بمواعيد دفع متتابعة لا تسمح بتهدئة سوق الصرف.

 

وبعد ذلك، تصل استحقاقات الربع الثالث إلى 9.8 مليار دولار، بينها 3.8 مليار دولار ودائع وعملات على البنك المركزي، وهو ما يجعل الفترة الممتدة حتى سبتمبر اختبارا مباشرا لقدرة الدولة على إدارة الدولار من دون ضغط جديد على الجنيه والأسعار.

 

وفي تقدير قريب من هذه الأزمة، قالت الدكتورة عالية المهدي أستاذة الاقتصاد إن أعباء الديون وصلت إلى مستويات خطيرة، وإن إجمالي الأقساط والفوائد يمثل 142% من إيرادات الدولة العامة، بما يعني أن الدولة تضطر إلى الاقتراض لسد فجوة السداد.

 

لذلك لا تعكس الودائع الخليجية المجددة استقرارا حقيقيا، لأن استمرارها داخل البنك المركزي لا يلغي كونها التزاما خارجيا قائما، كما أن تجديدها المتكرر يمنح الحكومة وقتا مؤقتا ولا يعالج خلل موارد النقد الأجنبي.

 

الدين الخارجي يرتفع والحكومة تدفع فاتورة سياسة الاقتراض

 

وفي خلفية هذه الاستحقاقات، ارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025، ليسجل 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر، مقابل 161.23 مليار دولار في يونيو، بحسب بيانات البنك الدولي وبيانات متابعة الدين الخارجي.

 

وبناء على هذا المسار، لا تبدو زيادة الدين مجرد رقم محاسبي، لأن كل زيادة ترفع احتياجات السداد المقبلة وتزيد اعتماد الحكومة على أدوات جديدة مثل الأذون الدولارية والقروض والودائع، وهي أدوات لا تصنع دخلا دولاريا مستداما بذاتها.

 

كما أظهر تقرير البنك الدولي عن آفاق الاقتصاد المصري أن الدين الخارجي بلغ 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، وأن هذه القيمة مثلت 36.7% من الناتج المحلي المتوقع للعام المالي 2025-2026، وهو مستوى يضغط على قرارات المالية العامة.

 

وفي هذا الإطار، كشف الدكتور محمد فؤاد الخبير الاقتصادي أن الحرب الإقليمية تكلف مصر نحو مليار جنيه يوميا، أي حوالي 365 مليار جنيه سنويا، موزعة على عناصر تثقل الموازنة العامة، وهو ضغط يضاف إلى أعباء خدمة الدين.

 

وبسبب هذا التراكم، تتحول سياسة الاقتراض من أداة تمويل إلى عبء يومي على الموازنة، لأن الحكومة تسدد ديونا قديمة بأدوات جديدة، وتتحمل فوائد متراكمة، ثم تعرض الاقتصاد لمخاطر سعر الصرف عند كل موجة خروج أو تراجع في موارد الدولار.

 

كما حذر صندوق النقد الدولي في تقييماته الأخيرة من استمرار هيمنة الدولة والشركات المملوكة لها على الاقتصاد، ومن تأخر الإصلاحات الهيكلية، وهي ملاحظات تؤكد أن الأزمة لا تخص جدول السداد وحده، بل تخص نموذج إدارة الاقتصاد والموارد.

 

لذلك تبدو أزمة أذون الخزانة الدولارية وجداول السداد الخارجية نتيجة مباشرة لسنوات من التوسع في القروض والمشروعات غير المنتجة للعملة الصعبة، بينما تتحمل الخزانة العامة والمواطنون تكلفة الفوائد والدولار وارتفاع الأسعار.

 

وفي النهاية، يضع طرح 900 مليون دولار اليوم الحكومة أمام سؤال واضح، لأن الدولة التي تواجه 50.8 مليار دولار حتى سبتمبر لا تستطيع تقديم تجديد الأذون كنجاح مالي، بينما يواصل الدين الخارجي الصعود وتظل موارد الدولار الحقيقية أقل من احتياجات السداد.