واصل عمال أمون للأدوية في مدينة العبور إضرابهم لليوم الرابع، بعدما تحولت مطالب الأرباح والأجور والعقود المباشرة إلى اختبار واضح لعجز الحكومة عن حماية العمال داخل شركات كبيرة.

 

تكشف الأزمة أن الحكومة تترك العمال في مواجهة الإدارة وحدهم، بينما تؤكد رواتب أقل من الحد الأدنى أن سياسات العمل الرسمية لا تمنع تآكل الأجور داخل قطاع حيوي مثل الدواء.

 

أرباح 2025 تتحول إلى محور الإضراب داخل أمون

 

بدأ الإضراب يوم الخميس الماضي، بعدما طالب عمال أمون للأدوية بصرف الأرباح السنوية عن عام 2025، وزيادة الرواتب بنسبة 30% من الأجر الأساسي، وإقرار زيادة سنوية دورية لا تقل عن 20%، لأن العمال يقولون إن الإدارة تجاهلت مطالبهم المتكررة.

 

وبحسب عاملين تحدثا للمنصة، وضع العمال إقالة الإدارة الحالية وعلى رأسها الرئيس التنفيذي محمد حشمت ضمن شروط إنهاء الاحتجاج، لأن العمال يعتبرون أن استمرار الإدارة الحالية يعني استمرار التعنت في صرف المستحقات وتأجيل أي حل واضح لأزمة الأرباح والأجور.

 

ثم اتسعت مطالب العمال، لأن الأزمة لم تقف عند أرباح عام واحد، فقد قال العاملان إن العمال حرموا من الأرباح السنوية خلال 3 سنوات، ولم يحصلوا في المقابل إلا على زيادات محدودة لم تحسن دخولهم في ظل الغلاء المتصاعد.

 

وفي هذا السياق، قال أحد العمال إن راتبه بعد 3 سنوات في الشركة لا يتجاوز 5500 جنيه، وإن أكثر من نصف هذا المبلغ يذهب إلى الإيجار والمياه والكهرباء، ولذلك يطرح العمال سؤالا مباشرا عن كيفية تغطية الطعام والمواصلات والمدارس بأقل من 3000 جنيه.

 

كما يطالب العمال بتغيير طريقة حساب الأرباح السنوية، لأن الإدارة كانت تصرفها سابقا على أساس أجر عام 2016 لا على أساس آخر راتب أساسي، ويصر العمال الآن على جدول زمني ملزم يحدد مواعيد صرف الأرباح المتأخرة والحالية.

 

ويرتبط هذا المطلب برأي الحقوقية العمالية فاطمة رمضان، التي كتبت سابقا عن الحد الأدنى للأجور واعتبرت أن غياب المعلومات الموثوقة وتناقض تصريحات المسؤولين وأصحاب الأعمال يجعلان العمال في حالة ضغط دائم، وهو ما يفسر تمسك عمال أمون بأرقام مكتوبة وجدول صرف محدد.

 

رواتب دون الحد الأدنى تكشف رقابة غائبة

 

بعد ذلك، تحولت قضية الرواتب إلى دليل إضافي على ضعف الرقابة الحكومية، لأن عاملين قالا إن رواتب كثير من العمال لا تزيد عن 6000 جنيه، بينما كان الحد الأدنى للأجور مقررا عند 7000 جنيه قبل إعلان الحكومة زيادته إلى 8000 جنيه.

 

وتؤكد هذه الفجوة أن الحكومة تعلن قرارات الأجور من أعلى، لكنها لا تضمن تطبيقها داخل مواقع العمل، إذ أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في أبريل 2026 زيادة الحد الأدنى لأجور القطاع الخاص إلى 8000 جنيه بدلا من 7000 جنيه، على أن يبدأ التطبيق في يوليو المقبل.

 

وبسبب هذا الفارق، لا يظهر إضراب عمال أمون كاحتجاج محدود داخل مصنع، بل يظهر كحالة توثق مشكلة أوسع في سوق العمل، حيث يحصل عمال في شركة دواء كبيرة على أجور أقل من الحد الأدنى المعلن، من دون تدخل حكومي حاسم.

 

وفي هذا الإطار، انتقد المحامي الحقوقي خالد علي مشروع قانون العمل سابقا، واعتبره ردة في فلسفة علاقات العمل لأنه يفرض قيودا على الإضراب السلمي ويجعل الفصل التعسفي أسهل، وهو رأي يكتسب أهمية مع إصرار عمال أمون على استخدام الإضراب للدفاع عن حقوقهم.

 

ثم تكشف حالة أمون أن أزمة الأجور لا تنفصل عن شروط العمل، لأن العمال يطالبون أيضا بتعيين فنيي إنتاج جدد، بعدما قال أحدهم إن العمالة الحالية تتحمل ضغطا إنتاجيا يفوق طاقتها الطبيعية بسبب نقص العدد داخل خطوط الإنتاج.

 

وبناء على ذلك، يصبح مطلب زيادة الرواتب مرتبطا بمطلب تخفيف الضغط الإنتاجي، لأن العامل الذي يحصل على أجر منخفض ويتحمل أعباء إضافية يدفع ثمن سياسات الإدارة مرتين، مرة من دخله ومرة من صحته وجهده اليومي داخل المصنع.

 

عقود الباطن تضع نصف العمال خارج الأمان الوظيفي

 

في الوقت نفسه، يضع العمال ملف عقود الباطن في قلب الإضراب، لأن نحو نصف عدد العاملين البالغ حوالي 3000 عامل يعملون عبر شركة توريد عمالة، ويطالب هؤلاء بتحرير عقود مباشرة مع شركة أرسيرا المالكة الحالية لأمون.

 

ويطالب العمال أيضا بتحويل العقود إلى عقود غير محددة المدة، لأن عقود الباطن تضع العامل في وضع أضعف أمام الإدارة، وتمنح الشركة مساحة أكبر للضغط على الأجور والحقوق، وتقلل قدرة العمال على الدفاع الجماعي عن مطالبهم.

 

ويرتبط هذا الملف برأي كمال عباس رئيس دار الخدمات النقابية والعمالية، الذي قال في تصريحات سابقة إن مشروع قانون العمل لم يعالج مشكلات الأجور والعقود المؤقتة وشروط الإضراب والأمان الوظيفي والفصل التعسفي، وهي القضايا نفسها التي تظهر في إضراب أمون.

 

ثم تضيف ملكية الشركة بعدا آخر للأزمة، فقد استحوذت أبوظبي القابضة على أمون للأدوية عام 2021 في صفقة بلغت حوالي 740 مليون دولار، وهو رقم يضع مطالب العمال بالأرباح والأجور في مواجهة واضحة مع قيمة الشركة وحجم الاستثمار فيها.

 

وفي أبريل 2024، أعلنت أبوظبي القابضة تأسيس أرسيرا وضم حصتها في أمون للأدوية مع شركات أخرى تحت مظلة الشركة الجديدة، وقالت إن أرسيرا تضم أكثر من 6500 موظف وتصل مبيعاتها إلى أكثر من 90 دولة في 4 قارات.

 

لذلك، تبدو مطالب عمال أمون أكثر إحراجا للحكومة والإدارة معا، لأن شركة مدرجة ضمن كيان دوائي واسع الحضور لا تستطيع تبرير حرمان العمال من أرباح 3 سنوات، ولا تستطيع تبرير بقاء رواتب بعضهم دون الحد الأدنى المعلن.

 

وتكشف الأزمة أيضا أن خطاب جذب الاستثمار لا يكتمل من دون حماية العاملين، لأن الحكومة التي تحتفي بصفقات الاستحواذ وتوسع الشركات الأجنبية لا تفرض على هذه الشركات التزاما واضحا بالأجور العادلة والعقود المباشرة وصرف الأرباح في مواعيدها.

 

وختاما يضع إضراب عمال أمون للأدوية الحكومة أمام مسؤولية مباشرة، فالأزمة لا تخص إدارة شركة فقط، بل تخص سلطة تسمح بتراكم الأرباح المؤجلة والأجور المنخفضة وعقود الباطن داخل قطاع حيوي، بينما يطالب العمال بحقوق محددة قابلة للتنفيذ لا بشعارات عامة.