سجلت ولاية نهر النيل 113 إصابة جديدة بحمى الضنك في 25 أبريل 2026، من دون وفيات جديدة، وسط اتساع المرض في بيئة صحية أنهكتها الحرب وضعف المكافحة.
وتكشف الحصيلة التراكمية البالغة 6505 إصابات و12 وفاة في الولاية فشلًا واضحًا في وقف انتشار بعوض الإيديس، بينما تتمدد العدوى في السودان فوق بنية صحية متضررة وخدمات وقائية محدودة.
شندي تتصدر الإصابات ونهر النيل يدخل مرحلة ضغط وبائي
أعلنت الإدارة العامة للطب الوقائي بولاية نهر النيل تسجيل 113 حالة إصابة جديدة بحمى الضنك، وفق التقرير الوبائي اليومي الصادر بتاريخ 25 أبريل 2026، ولم تسجل الولاية أي حالة وفاة جديدة في اليوم نفسه، رغم استمرار الزيادة اليومية في الإصابات.
وبحسب التقرير نفسه، ارتفع العدد التراكمي للإصابات في ولاية نهر النيل إلى 6505 حالات، بينما بلغ إجمالي الوفيات 12 حالة منذ بداية انتشار المرض، وهو رقم يضع الولاية أمام انتشار واسع لا يمكن التعامل معه كحادث صحي محدود أو عابر.
ثم توزعت الإصابات الجديدة على عدد من المحليات، حيث سجلت شندي أعلى عدد بـ58 حالة، ثم سجلت المتمة 28 حالة، وسجلت الدامر 26 حالة، بينما سجلت عطبرة حالة واحدة فقط، ما يكشف تركز الضغط الوبائي في مناطق محددة داخل الولاية.
وبسبب هذا التوزيع، تصبح شندي والمتمة والدامر نقاط تدخل عاجلة، لأن أرقامها اليومية تشير إلى نشاط واضح للناقل داخل التجمعات السكنية، بينما لا تكفي بيانات الرصد وحدها إذا لم تتبعها حملات رش منظمة وإزالة لمياه التخزين والمستنقعات المنزلية.
وفي هذا السياق، توضح منظمة الصحة العالمية أن حمى الضنك تنتقل عبر بعوض مصاب، وأن مكافحة النواقل وتقليل أماكن تكاثر البعوض تمثلان محورًا أساسيًا في الحد من انتشار المرض، خصوصًا في المناطق التي تشهد مياهًا راكدة وضعفًا في الخدمات.
لذلك، لا تبدو أرقام نهر النيل مجرد إحصاء يومي، بل تبدو مؤشرًا على فشل وقائي متراكم، لأن تسجيل 6505 إصابات داخل ولاية واحدة يعني أن دورة العدوى وجدت بيئة مناسبة، وأن حملات المكافحة لم تصل إلى مستوى يوقف الانتشار أو يخفضه بوضوح.
بعوض الإيديس ينتشر في 18 ولاية والحرب تعطل المكافحة
في الوقت نفسه، حذرت وزارة الصحة الاتحادية من اتساع نطاق انتشار بعوض الإيديس، الناقل الرئيسي لحمى الضنك، إذ قال وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم إن مكافحة هذا البعوض تمثل تحديًا كبيرًا، بعدما امتد وجوده إلى 18 ولاية بدل 7 ولايات قبل الحرب.
وبناء على هذا التصريح، تدخل أزمة نهر النيل ضمن خريطة وطنية أخطر، لأن انتشار الناقل في كل الولايات تقريبًا يعني أن المرض لا يتحرك داخل بؤر معزولة، بل يجد مسارات واسعة في المدن والقرى ومناطق النزوح والتجمعات التي تعاني من ضعف المياه والصرف.
ثم تتفاقم الأزمة بسبب الحرب التي بدأت في أبريل 2023، حيث تقول منظمة الصحة العالمية إن السودان يواجه واحدة من أشد الأزمات الإنسانية، مع حاجة 33.7 مليون شخص إلى مساعدات في 2026، وتعطل نحو 40% من المرافق الصحية.
وبسبب تعطل المرافق الصحية، لا تستطيع السلطات الاعتماد على المستشفيات وحدها في كشف الحالات ومتابعة المضاعفات، لأن جزءًا من المصابين قد يبقى خارج نظام الرعاية، خصوصًا في المناطق التي تواجه صعوبة في الوصول إلى العلاج أو الفحوص أو النقل الآمن.
وقد ربطت رويترز في تقرير سابق بين انتشار حمى الضنك في السودان وتضرر البنية التحتية الصحية بفعل الحرب، وذكرت أن المياه الراكدة وتخزين المياه بسبب دمار شبكات المياه والكهرباء وتراكم النفايات ساهمت في زيادة البعوض.
وفي هذا الإطار، يحذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس عادة من أن انهيار الخدمات الأساسية أثناء النزاعات يحول الأمراض القابلة للاحتواء إلى تهديد واسع، وتؤكد حالة السودان هذا المسار مع تداخل الضنك والكوليرا والملاريا والحصبة.
63 ألف حالة مشتبه بها ومسؤولية عاجلة قبل اتساع الكارثة
وبحسب تقديرات منشورة عن الوضع الصحي في السودان، يشتبه في إصابة نحو 63 ألف شخص بحمى الضنك خلال الأشهر الماضية، وسط تفاقم مخاطر انتشار النواقل وتدهور قدرة النظام الصحي على الاستجابة، وهو رقم يتجاوز بكثير قدرة الولايات المنهكة على التحرك المنفرد.
وبناء على هذه التقديرات، لا يمكن حصر الأزمة في نهر النيل فقط، لأن الولاية تمثل واجهة رقمية لمرض ينتشر على نطاق أوسع، بينما لا تزال الحرب تضعف الترصد الوبائي وتعرقل وصول فرق الصحة العامة إلى بعض المناطق المتضررة.
كما أصدرت السلطات في الولاية الشمالية نداءً عاجلًا لمكافحة حمى الضنك بعد تسجيل وفيات وانتشار المرض في مناطق شمالية، وهو ما يؤكد أن الولايات المتجاورة تواجه تهديدًا متشابكًا يحتاج إلى خطة اتحادية لا بيانات منفصلة من كل ولاية.
ثم تكشف هذه التطورات أن حكومة الحرب لا تستطيع الاكتفاء بإعلان الأرقام، لأن إعلان 113 حالة جديدة في يوم واحد من دون وفيات لا يعني السيطرة، بل يعني استمرار انتقال العدوى، خصوصًا إذا بقي البعوض في البيوت والأسواق ومناطق تخزين المياه.
وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة حنان بلخي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، في خطابات المنظمة أن دعم السودان الصحي يحتاج تمويلًا واستجابة إنسانية عاجلة، لأن الأمراض الوبائية تنتشر أسرع عندما تنهار الخدمات وتزداد حركة النزوح.
ولهذا، تحتاج ولاية نهر النيل إلى حملة واضحة تشمل الرش المنتظم، وتجفيف أماكن توالد البعوض، وتوزيع الناموسيات، وتوفير الفحوص، وتدريب فرق الرعاية الأولية، ونشر رسائل وقائية مفهومة، بدل ترك الأسر وحدها أمام الحمى والصداع والنزيف المحتمل.
وفي النهاية، تكشف أرقام 25 أبريل 2026 أن السودان لا يواجه حمى الضنك كمرض موسمي فقط، بل يواجه نتيجة مباشرة لانهيار الوقاية تحت الحرب، وإذا لم تتحرك السلطات والمنظمات بسرعة، فستتحول أرقام نهر النيل إلى مقدمة لموجة أوسع تدفع ثمنها الأسر الفقيرة أولًا.

